رسالة مدير المكتبة
إنه لشرفٌ عظيم أن أخُطّ هذه السطور، باعتباري أولَ مدير لمكتبة الإسكندرية التي نحتفل اليوم بمرور عام على افتتاحها، وارتفاع صرحها على نفس الموقع تقريبا الذي قامت عليه المكتبة القديمة · لقد تعانقت الأيدي المصرية والعالمية، لتخرج مكتبة الإسكندرية من رمادها القديم، لترنو نحو المستقبل· وها نحن نرسم ملامح الأفق الآتي وغاية مبتغانا، أن تحلِّق مكتبة الإسكندرية الجديدة في آفاق المكتبة القديمة، ثم تُجاوزها إلى سماوات أرحب خيالاً، وإبداعاً وتوهُّجًا ثقافيًّا·· لتطبع المكتبة الجديدة آثارها في الواقع، مثلما حفرت المكتبة القديمة آثارها في ذاكرة الإنسانية ·
ولابد في هذه الكلمة، من الإشارة إلى التاريخ العريق لهذه المكتبة، والجهود الهائلة التي بُذلت لإحيائها :
ما من شكِّ في أن المكتبة كانت دُرَّةَ التاج على جبين مدينة الإسكندرية القديمة· هذه المدينة التي أسَّسها الإسكندر المقدوني قبل ثلاثة وعشرين قرناً من الزمان، وكانت موطناً للملوك البطالمة العظام، موئلاً لكليوباترا، ومعقلاً للعلماء والمفكرين·
إن مدينة الإسكندرية بواقعها المؤجِّج للعبقريات الأدبية والإبداعات العلمية، دوَّنت تاريخها الخلاق الممتد من كاليماخوس، إلى هيباثيا، إلى الطرطوشي إلى البوصيري، إلى كفافيس ولورانس داريل ·
وها هو ماضي المدينة يخرج علينا من ساحل البحر، حيث تطلُّ مكتبتُنا الجديدة، لتحكي لنا الآثار الغارقة فصلاً بديعًا من تاريخ الإسكندرية ومجدها القديم·· وهو ماكُنَّا لنعرفه لولا تلك الآثار التي ظلَّت غارقة قرونًا·
أما مبنى المكتبة الجديدة، الذي تعكسه الصور والأرقام والحقائق التي يتضمنها هذا الكتيب، فهو يستوعب أكثر من ثمانية ملايين من الكتب، ويضم ثلاثة متاحف، وسبعة معاهد بحثية، وعديدًا من المعارض وقُبة سماوية، ومركزًا متطوِّرًا للمؤتمرات به ثلاثة آلاف مقعد وقاعة استكشافات وقد أُحيطت المكتبة بجدارٍ جرانيتيٍّ نقشت عليه أبجديات البشر ·
ومن الماضي إلى المستقبل، تتجه مكتبة الإسكندرية· وإذا كنا قد أشرنا إلى ماضيها العريق، فلسوف نُلمح إلى سمات المستقبل فيما يأتي·· ولكن قبل ذلك تتعيَّن الإشارة إلى الدور الكبير الذي قام به هؤلاء الذين جَنَّدوا طاقتهم ووقتهم لبعْث المكتبة· وهو ما سوف نراه على صفحات هــــذا الكتيب، مشتملاً على بيان للدور الخلاَّق للمهندسين والمعمـــاريين (بل وعمَّال المحاجر) والإداريين، وجمعيات أصدقاء مكتبة الإسكندرية في العالم، والهيئات الدولية، خاصة اليونسكو والحكومات·· ولهؤلاء جميعًا أسمى آيات الامتنان العميق على ما قدَّموه ·
لقد تفضلت السيدة سوزان مبارك رئيس مجلس أمناء مكتبة الإسكندرية، بتبيان الأهداف الأربعة للمكتبة في تجليِّها الجديد·· وهي أن تكون :
- نافذةً لمصر على العالم ·
- نافذةً للعالم على مصر ·
- تلبيةً للتحدي الرقمي المعاصر ·
- مركزاً للحوار الحضاري ·
ولدعم دور المكتبة، وعوناً لها لتحقيق هذه المهام أصدر فخامة الرئيس محمد حسني مبارك القانون رقم (1) لسنة 1002 الذي جعل من مكتبة الإسكندرية شخصية مستقلة، تابعة تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، وأن يُلحق بها مجموعةٌ من المعاهد البحثيَّة المتخصِّصة ·· وقد نصَّ القرار الجمهوري رقم (67) لسنة 1002 على تحرير لوائح المكتبة من النظم الإدارية البيروقراطية، وأن يقوم بتسيير شؤونها :
- مجلس الرعاة (يرأسه رئيس الجمهورية)·
- مجلس الأمناء (ترأسه قرينة رئيس الجمهورية )·
- مدير المكتبة (يختاره مجلس الأمناء)·· وإنه لفخرٌ كبير أن يقع اختيار مجلس الأمناء على شخصي ·
وقد تم تشكيل مجلس الرعاة الذي يضمُّ نخبةً من رؤساء الدول والحكومات، والعديد من الشخصيات البارزة· أما مجلس الأمناء فهو يتكون من عدد من كبار الشخصيات العالمية (ملحق بهذه الصفحات نبذة عن سيرتهم الذاتية)·· ويعمل أعضاء المجلس على توجيه برنامج العمل بالمكتبة، وقد عقد المجلسُ أول اجتماعاته الرسمية في 82 و 92 مايو 1002، تبعته اجتماعات سنوية بعد ذلك ·
وتعمل مكتبة الإسكندرية اليوم على تعزيز وجودها كمركز دولي علمي متميز في المجالات المختارة، التي يتم حاليًا توجيه سياسة تنمية المقتنيات وفقاً لها، بحيث تغطي المجالات التالية:
أولاً: مكتبـــة الإســكندرية ومدينة الإسكندرية وكل ما يخص مصر وتاريخها مع الاهتمام الخاص بتاريخ العلوم ·
ثانياً: العالم العربي (مع مراعاة التكامل مع الجهود المبذولة في الدول العربية الأخرى والتعاون مع مؤسساتها) وثقافات البحر المتوسط وأفريقيا ·
ثالثاً: باقي أنحاء العالم ·
أما الأنشطة والفعاليات، فإن مكتبة الإسكندرية تضع نصب عينيها أربعة محاور رئيسية، هي:
- العلوم (مع التركيز على التوجُّهات الأخلاقية في العلوم والتكنولوجيا )·
- العلوم الإنسانية (مع التركيز علـى البحوث الجديدة والدراسات التاريخية )·
- الفنون والآداب (مع التركيز على الحوار بين الثقافات )·
- التنمية (مع التركيز على قضايا المياه والموارد الطبيعية والبشرية )·
والسبيل إلى تحقيق ما ترنو إليه المكتبة هو توحيد الجهود وخلق حلقات اتصال مع المؤسسات العالمية ذات الخبرة في مجالات العمل الثقافي والمعرفي·· سواء بشكلٍ دائمٍ، أو دوريًّا من خلال المؤتمرات والندوات ·
ولا يقل عن ذلك أهمية تدعيمُ الروابط مع المجتمع المصري والدولي·· ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي تلعبه جمعيات أصدقاء مكتبة الإسكندرية حول العالم·
ومن التحديات التي تواجه مكتبة الإسكندرية اليوم، الاتصال الإلكتروني ببقية العالم· ونحن نبذل كثيرًا من الجهود للوصول إلى شبكة متطورة تطوِّع الإمكانيات المعاصرة لخدمة عمليات المثاقفة المختلفة، لتقديم ثمار الخلق الإبداعي للحضارة المصرية للعالم ·
ومع الدعم الكبير الذي ينتظره العاملون بمكتبة الإسكندرية من مجلسي الرعاة والأمناء، فإن عيونهم ترنو في الزمن الآتي، إلى كيان ثقافي هائل يليق باسم مكتبة الإسكندرية ·
وأختتم كلمتي، بهذه الأمنية التي أعلنتها السيدة الفاضلة سوزان مبارك: أن تكون مكتبة الإسكندرية مصدرًا لفخر مصر والعالم·
| |
إسماعيل سراج الدين
مدير مكتبة الإسكندرية |
|