من ورق البردي إلى الورق الإلكتروني (1)

شارك

تخيل رحلة البشرية الطويلة على كوكب الأرض دون توثيق، ثم تخيل إمكانية التوثيق دون الورق، وانظر مقدار ما كان سيفوتنا. في بداية الأمر، كانت تُنقش السجلات المكتوبة على الأحجار، أو الطين، أو الشمع؛ ومن ثمَّ، قام قدماء المصريين منذ نحو خمسة آلاف عام باستحداث الكتابة على ورق البردي، وهو أول شكل من أشكال الورق. منذ ذلك الحين، مَرَّ الورق بمراحل تطوير متعددة حتى أصبح متاحًا الآن بأنواع وأشكال متنوعة.

ورق البردي

إن كلمة Paper التي نستخدمها اليوم مأخوذة عن كلمة Papyrus، وهو الاسم الإنجليزي لورق البردي الذي اخترعه قدماء المصريين، والذي يُعد أول سطح للكتابة في تاريخ البشر شبيه بالورق الحالي. وقد صنع قدماء المصريين ورق البردي من نبات يحمل نفس الاسم كان ينمو في المستنقعات الموجودة حول نهر النيل.

بعد تقشير الألياف الخارجية لسيقان نبات البردي الطويلة السميكة مثلثة الشكل ذات الطبقات المتعددة، كانت تُقطع إلى شرائح وتُنقع في المياه للتخلص من محتواها السكري. وكان يتم بعد ذلك تجفيفها، وتسطيحها، ورصها جنبًا إلى جنب في طبقتين؛ أفقية ورأسية، ومن ثمَّ كان يتم ضغط الفروخ وتنعيمها لتصبح جاهزة للكتابة عليها. ولم يكن هناك حاجة لاستخدام صمغ لتثبيت الشرائح مع بعضها، بفضل المادة الصمغية الطبيعية الموجودة بالنبات. وفي النهاية، كان يتم وصل الأوراق من أطرافها لإنتاج لفافات من ورق البردي.

وقد أحدث استخدام ورق البردي طفرة في حفظ السجلات وفي إتاحة الكلمة المكتوبة، مما أعطانا الفرصة للاطلاع على الأزمنة القديمة واستكشافها. ولأهميته، ظلت طريقة صناعة ورق البردي سرًّا من أسرار الدولة احتكره قدماء المصريين وحافظوا عليه. ومع ذلك، فقد أصبح ورق البردي بعد ذلك المادة الرئيسية المستخدمة في الكتابة في شتى مناحي الإمبراطورية اليونانية الرومانية، إلا أنه كان يتم حفظ معظم السجلات في مصر؛ نظرًا لتمتعها بالمناخ الجاف المطلوب للمحافظة عليها.

ورق البرشمان

في القرن الثاني قبل الميلاد، وتحديدًا في مدينة بيرجامون اليونانية القديمة – حاليًّا مدينة برجاما بتركيا – اُستحدث البرشمان بوصفه سطحًا جديدًا للكتابة. وكان يتم تصنيعه من جلود الحيوانات المُعالجة، مثل الخِراف، والماعز، والعجول الصغيرة. وكان يطلق على الأنواع الأكثر جودة من البرشمان، والتي كانت تصنع من جلود الحيوانات حديثة الولادة ورق الرَّق أو القضيم؛ إلا أن هذه المصطلحات تؤدي جميعها نفس المعنى في وقتنا هذا.

كان يتم تجفيف جلود الحيوانات وهي مشدودة على إطارات خشبية بعد تنظيفها، وإزالة شعرها، وحكها. ومن ثمَّ، كانت تصنفر باستخدام الحجر الخفاف، وتعالج بالتلك أو الطباشير لتصبح جاهزة للكتابة. وكان لورق البرشمان العديد من المزايا التي تفوق بها على ورق البردي؛ فكان أقوى وأكثر تحملاً. كما كانت المواد الخام المطلوبة لتصنيعه – أي جلود الحيوانات – متوفرة في كل مكان وليست مقتصرة على نطاق جغرافي أو ظروف مناخية محددة.

وقد ظل البرشمان والرَّق أسطح الكتابة الدارجة بين كاتبي أوروبا في القرون الوسطى، واستخدمت في إنتاج جميع المخطوطات والأسفار الشهيرة التي تعود إلى هذه الفترة. كما ظل البرشمان الاختيار المفضل في العالم العربي أيضًا عند نسخ القرآن الكريم، والنصوص الأدبية والعلمية المهمة الأخرى.

من الشرق الأقصى إلى أوروبا مرورًا بالشرق الأوسط

اُخترع الورق كما نعهده الآن في الصين في عهد أسرة هان (206 ق.م – 220 م)؛ إذ تشير السجلات التاريخية إلى أن موظفًا في البلاط الملكي الصيني يُدعي تساي لوون قد قدم تقريرًا في عام 105م إلى الإمبراطور الصيني يفيد بخبر اختراعه للورق. واعتمدت صناعة الورق التي ابتكرها لوون على المِزق النسيجية، وألياف البامبو، واللحاء الداخلي لأشجار التوت. وقد أدى توافر المواد الخام المطلوبة بكميات كبيرة وكلفة قليلة إلى إمكانية إنتاج الورق بكميات كبيرة. وعلى الرغم من أن الورق الصيني كان أكثر مرونة بكثير من ورق البردي والبرشمان، فإنه كان رقيقًا وشفافًا للغاية؛ بحيث لم يكن من الممكن الكتابة على وجهيه.

وانتشرت صناعة الورق تدريجيًّا بنهاية القرن السابع الميلادي ليصل إلى بنجلاديش، والهند، واليابان، وكوريا، ونيبال، وباكستان، وذلك دون تغييرات جذرية في آلية تصنيعه. وفي أثناء الحروب التي نشبت بين أسرة تانج الصينية والدولة العباسية، انتقل سر صناعة الورق إلى العرب عن طريق الأسرى الصينيين الذين احتجزوا بعد انتصار العرب في معركة نهر طلاس عام 751م. ولقد أحدث العرب طفرة في صناعة الورق؛ فجعلوا الأوراق أكثر سمكًا وجودة، وأنشأوا أول طواحين لصناعة الورق وتميز إنتاجهم من الورق بالمتانة والصِّقل.

ومن هناك، انتقلت صناعة الورق إلى أوروبا؛ وبنيت أول طاحونة لصناعة الورق في القرن الحادي عشر الميلادي. وبداية من القرن الثالث عشر، حاول صانعو الورق في إيطاليا تطوير آليات تصنيعه التي وضعها العرب؛ فكانت إيطاليا مركز صناعة الورق المهيمن في أوروبا، وانطلقت صنعته إلى البلدان الأوروبية الأخرى. وقد سخر الإيطاليون قوة المياه لتشغيل طواحين صناعة الورق، واستحدثوا عملية تغرية الورق؛ أي تغطيته بمواد مختلفة لتقويته، أو تيبيسه، أو تقليل امتصاصه.

وفي القرن السابع عشر، اخترع الهولنديون آلة «هولاندير بيتر» التي حلت محل الطواحين وأصبحت التقنية الفاصلة بين صانعي الورق التقليديين والمحدِّثين. وتكونت هذه الآلة من حوض بيضاوي يحتوي على أسطوانة ثقيلة تدور مقابلة للوح قاعدي، ويمكنها في يوم واحد إنتاج كم عجينة الورق الذي تنتجه الطاحونة في ثمانية أيام.

على الرغم من الرحلة الطويلة التي قطعها الورق، فكل ما فعلته التكنولوجيا هو تحويل هذه الصنعة التقليدية إلى صناعة فائقة التعقيد، ولكنها لم تغير في الخطوات الرئيسية التي بقيت حتى يومنا هذا.

المراجع

britannica.com

fourriverscharter.org

historyworld.net

howstuffworks.com

lib.umich.edu

paperacademy.net

papyri.tripod.com

users.stlcc.edu


Top image: Flying old parchments designed by valadzionak_volha. Credit: Freepik


*هذا المقال منشور في مجلة كوكب العلم، عدد ربيع 2013.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2022 | مكتبة الإسكندرية