المقالات

كوفيد-19 وضع عدم المساواة في الواجهة

شارك

عندما توقف العالم فجأة، كانت حال بعض الناس أفضل من غيرهم. فقد أظهرت الجائحة كل المشكلات وحالات عدم المساواة التي تشوب عالمنا. علينا فقط النظر إلى طريقة تأثير الجائحة في الأغنياء والفقراء حول العالم لنعي ذلك. فبالرغم من أن بوسع الفيروس إصابة أي شخص، فإن جنس الشخص وسنه ومكانته الاجتماعية ومكان عيشه كلها عوامل تؤثر في مدى سوء تأثر الشخص بالفيروس. وفقًا لمقال خاص نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن تأثير كوفيد-19 فإن «أكثر من سيعاني البلدان النامية، وتلك التي تعاني الأزمات، والفئات الهشة بالفعل حول العالم، التي تعتمد على الاقتصاد غير الرسمي، والنساء، وذوو الإعاقات، واللاجئون، والنازحون، ومن يعانون الوصم الاجتماعي».

كما كان يوجد اختلاف جلي في قدرة الأشخاص على الاحتماء من الفيروس باختلاف طبيعة أعمالهم. أما الذين كان عندهم اتصال مستقر بالإنترنت، وحاسوب، ووظيفة مكتبية، فكانوا محظوظين لتمكنهم من العمل عن بعد. وأما الذين تعتمد مهنهم على العمل البدني أو التعامل مع الجمهور، فكان عليهم تعريض أنفسهم لخطر التقاط العدوى للمحافظة على وظائفهم التي قد تكون ذات عائد زهيد. وقد ذكر إيان غولدن أستاذ العولمة والتنمية، وروبرت موجاه مدير معهد إيغارابي، في مقال لهما أن «مسحًا حديثًا لسبع وثلاثين دولة يشير إلى أن ثلاثًا من كل أربع أسر عانت انخفاضَ الدخل منذ بداية الوباء، ومثلت الأسر الفقيرة 82٪ من الأسر المتضررة».

لقد أثرت إتاحة التكنولوجيا بالنسبة إليك بشكل كبير في تجربتك مع الجائحة. ومع انتقال التعليم إلى المنصات الإلكترونية، لم يحظَ الجميع بالرفاهية ذاتها للاستمرار. ووفقًا لهنريتا هـ. فور رئيسة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، فإنه بفعل الجائحة «من المرجح أن يقع 140 مليون أسرة تحت خط الفقر، وأنه يوجد 168 مليون طفل ظلوا خارج المدرسة لأكثر من تسعة أشهر، وأن التعلم عن بعد ليس متاحًا لواحد من بين كل ثلاثة طلاب». وقد كان تعليم الفتيات على وجه التحديد يمثل مشكلة قبل أن تضرب الجائحة؛ إذ حرم 132 مليون فتاة من التعليم لأسباب مختلفة. ويُقدر أن نحو 20 مليون فتاة في سن المدرسة لن يعدن إليها بعد الجائحة. وهذا الأمر محبط؛ لأن من شأن التعليم انتشال الناس من الفقر، ومنحهم فرصة لعيش حياة أفضل.

إن إتاحة التعليم أحد الأشياء التي يكون فيها كون المرء أنثى عائقًا؛ ومع الجائحة تفاقمت مشكلات كثيرة تعانيها النساء. ووفقًا لويني بيانيما المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز UNAIDS، «فقد أدى كوفيد-19 إلى توسيع الفجوات بشكل كبير بين الرجال والنساء من حيث الثروة، والدخل، والوصول إلى الخدمات، وعبء الرعاية غير مدفوعة الأجر، والمكانة، والسلطة». فتشير بيانيما إلى أنه بالرغم من أن تأثير كوفيد-19 ليس متكافئًا حتى الآن داخل المجتمعات وعبر الدول، فإن عدم المساواة بين الجنسين ستعوق فعليًّا أي تعافٍ فعال منه. فكيف يمكن للعالم أن يتعافى جيدًا في حين إن نصف سكانه يواجهون عقبات؟ ويظل الحديث عن أوجه عدم المساواة وإبرازها أمرًا مهمًّا، ولكن الأهم تمويل المشروعات التي تحدث تغييرًا ملموسًا فعليًّا، وتساعد على تذليل العقبات التي تواجهها النساء بسبب جنسهن.

وإن نظرنا إلى السباق نحو التلقيح وأعداد الأشخاص الذين تلقوا اللقاح في مقابل عدد السكان حول العالم، تبرز عدم المساواة حول العالم بصورة صارخة. فبينما بعض البلدان الأغنى قد لقحت بالفعل قطاعًا عريضًا من سكانها، لم تبدأ بعض البلدان الأشد فقرًا تلقيح سكانها بعدُ بسبب عدم إتاحة اللقاح. وقد أطلق على تلك الظاهرة الفصل العنصري على أساس اللقاحات.

وقد أطلقت مبادرة الوصول العالمي للقاحات كوفيد-19 (كوفاكس) COVAX للتصدي لهذا التفاوت، على أمل إتاحة فرص متكافئة للحصول على اللقاح. ولكن، كما تشير الأرقام، فإن هذا الجهد ليس كافيًا. فعديد من الدول النامية تعوزها المرافق اللازمة لصناعة لقاحاتها وتخزينها. وإن كانت تملك إمكانات التصنيع، فإنه ليس من السهل الوصول إلى براءات الاختراع وكيفية تصنيع اللقاحات المطلوبة. لقد أصبح هذا الانقسام جليًّا بشكل كبير، فبينما تحتفي بعض الدول بإنجازاتها في التلقيح وتخفيفها للقيود، فما زال الفيروس متفشيًا في كثير من البقاع الساخنة حول العالم. وهذا يعني إمكان ظهور سلالات أشد عدوانية من الفيروس، تقاوم اللقاحات التي تم تصنيعها وحقنها؛ أي قد يعود بنا الحال إلى النقطة صفر.

تقول بيانيما في مقالها: «إن صنع عالم أكثر مساواة ليس واجبًا أخلاقيًّا فحسب، بل هو أيضًا أمر ضروري لجعل العالم أكثر مرونة في مواجهة الأوبئة مثل كوفيد-19، وجعلنا جميعًا أكثر صحة وأمانًا وازدهارًا. ونحن لا نستطيع تحمل عواقب تجاهل الأمر». من مصلحة الجميع سد فجوات عدم المساواة بين الدول وداخلها. وإن كان للجائحة أي فضل، فهو أنها سلطت الضوء على ترابطنا في أثناء تلك الأوقات العصيبة، وأنه فقط معًا يمكننا جميعًا تحقيق ذلك.

المراجع

feature.undp.org

news.un.org

theguardian.com

weforum.org


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد صيف/ خريف 2021.

Cover image by Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية