مولد اللغة وموتها

شارك

اللغة هي الوسط الذي نستطيع من خلاله التعبير عن أنفسنا وتبادل أفكارنا مع الآخرين. فيقول البعض أنك لا تنشأ في ثقافة ما بل في لغة ما، وهو أمر بديهي؛ فاللغة هي حارس الثقافة. تساعد اللغات المتنوعة الأفراد على التعبير عن أفكار معينة ومشاعر قد تكون غائبة في لغات أخرى. فليست كل الكلمات لها مرادفات في اللغات الأخرى، وهو ما يوضح أن اللغات قد تختص بثقافات معينة وقد تعبر عن تجربة معينة مر بها مجموعة معينة من الناس فقط.

لقد أثبت التاريخ أن لغات الجماعات القوية تنتشر عبر البلاد بينما لغات الجماعات التي لا تعد ذات هيمنة قد انقرضت عبر القرون. وقد يحدث ذلك نتيجة عمليات مختلفة؛ فقد يقرر البعض استخدام لغة الأقوياء في محاولة منهم للحصول على مظهر اجتماعي أفضل، أو قد يكون هنالك سياسة رسمية تتطلب من المواطنين التحدث بلغة معينة دون النظر إلى انتماءاتهم الثقافية.

فعلى سبيل المثال، في المناطق الناطقة بلغتين، غالبًا ما تترك اللغة الأم لصالح اللغة المهيمنة سياسيًّا أو اقتصاديًّا. ويحدث ذلك نتيجة رؤية الأفراد للغة المهيمنة على أنها العامل الذي يساعدهم على الارتقاء الاجتماعي. وما يحدث بعد ذلك تجاهل الوالدين نقل تراثهم اللغوي بفاعلية إلى أبنائهم، مما يسمح للغة المهيمنة بأن تصبح اللغة الأم للأجيال المقبلة. ونتيجة لذلك، تموت اللغات؛ ولا يبقى أي ناطقين بها.

إذًا، فنجاة لغة ما تعتمد على موقف الأفراد تجاهها. ويقول اللغويون أنه في نحو عام 8.000 قبل الميلاد كان يوجد أكثر من 20 ألف لغة. وفي عام 2012، قد أصبح عددها 6.909 لغات، وهو ما يشير إلى موت لغات عديدة وانقراضها. كذلك يتنبأ اللغويون أنه في خلال العشرة أعوام القادمة سوف تختفي نصف اللغات الموجودة؛ ولكن كيف يمكن أن تختفي اللغات يسارًا، ويمينًا، ووسطًا؟

يعتقد البعض أن سبب موت اللغات في هذه الأيام هو العولمة. ففي رحلة البحث عن لغة سائدة تستخدم في عمليات التبادل التجاري، يتم إهمال اللغات الأم. فعلى سبيل المثال، عندما تقوم تجارة مشتركة بين سيدة من كينيا وأخرى من هولندا سوف تتم المعاملات بينهما على الأرجح باللغة الانجليزية؛ حيث إنها اللغة المهيمنة على المستوى العالمي.

على الرغم من ذلك، فإن العولمة ليست السبب الأوحد لموت اللغات؛ فعندما تعود كل سيدة منهما إلى بلدها فإنها ستعاود التحدث بلغتها الأم. ومن هنا نجد أن العولمة قد تدعم موقف اللغات المهيمنة، ولكنها لا تؤدي بالضرورة إلى ترك الأفراد للغاتهم. فيمكن أن نعيد صياغة ذلك بأن العولمة تعطي الأفراد سببًا ليصبحوا ناطقين بلغتين.

قد يكون هناك سبب آخر وهو عملية التواصل بين الأمم والتداخل الذي يحدث نتيجة أنماط المهاجرة، والذي يقال إن له تأثيرًا سلبيًّا على تنوع اللغات الموجودة. فعندما تهاجر أسرة ما فإن الآباء سيتحدثون كلاًّ من اللغة الأم ولغة البلد التي قد هاجروا إليها، ولكن إذا أهملوا نقل لغتهم الأم إلى أبنائهم، فسينشأ الأبناء وهم يتحدثون لغة البلد التي قد أصبحوا يطلقون عليها الآن موطنهم، متسببين في موت اللغة الأم في تلك الأسرة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه طالما هنالك أناس يعيشون في البلد الأم، فسوف يستمرون في الحفاظ على لغتها.

إحدى وفيات اللغات التي تصدرت عناوين الأخبار عام 2010، كانت اندثار لغة بو، وهي لغة إحدى قبائل السكان الأصليين لجزر أندامان بالهند، والتي يعتقد أنها كانت موجودة منذ 65 ألف عام. ولقد انقرضت تلك اللغة بوفاة آخر المتحدثين بها، بوا سينيور. فعلى الرغم من أن لغة بو قد تمت دراستها من قبل باحثي اللغويات التاريخية، فإن بوا سينيور قد أمضت السنوات الأخيرة من عمرها دون التحاور مع أي شخص بلغتها الأم.

بوا سينيور. المصدر: news.bbc.co.uk

استمع إلى آخر تسجيل لها بلغة بوyoutu.be

إن قبيلة بو واحدة من عشر قبائل أندامانية عظيمة مختلفة، وقد بلغ عدد سكانها نحو 5 آلاف شخص في أثناء الاستعمار البريطاني للجزر. وتلك الجزر هي جزء من الأراضي الهندية، ولكنها بعيدة في قلب المحيط؛ فكانوا قبل الاستعمار معزولين إلى حدٍّ كبير. ويُعتَقَد أنه يمكن تتبع السكان الأصليين للقبائل وصولاً إلى هجرتهم من إفريقيا منذ آلاف السنين، كما يُعتَقَد أن اللغات التي يتم التحدث بها مصدرها إفريقيا هي الأخرى.

عندما استعمر البريطانيون تلك الجزر في عام 1858، مات العديد من الشعب الأنداماني جرَّاء تعرضهم للأمراض التي لم يتحملها جهازهم المناعي. فقلل ذلك الحدث من أعدادهم من 5 آلاف إلى 52 شخصًا فقط، وهو عدد من يُعتَقَد أنهم قد نجوا حتى الآن. ومن اللغات العديدة التي كانت موجودة، لم يتبقَّ سوى المتحدثين بلغتي الجرو والسار القديمتين، ولم تنتقلا إلى الأجيال الأصغر، مما يعني أنهما ستموتان أيضًا.

وقد كتب نارايان تشودهاري –عالم لغويات بجامعة جواهر لال نهرو بنيو ديلهي، وأحد أفراد الفريق البحثي الأنداماني– على موقعه الإلكتروني أن بوا سينيور «مثلت الإنسانية في مجملها بجميع أشكالها، وبثراء لا نجده في أي مكان آخر». كذلك قال ستيفن كوري، وهو مدير مؤسسة مقرها لندن تمثل إحدى جماعات الضغط من أجل المجموعات القبلية: «مع وفاة بوا سينيور وانقراض لغة بو أصبح جزء مميز من المجتمع الإنساني مجرد ذكرى... إن فقدان بو مجرد تذكرة بائسة، ويجب علينا ألا نسمح بحدوث ذلك للقبائل الأخرى الموجودة بجزر أندامان».

ليست كل اللغات الموجودة مكتوبة؛ فأغلب اللغات المعرضة للانقراض تكون تلك التي لديها ثقافة منطوقة غنية؛ حيث ينتقل التاريخ، والأغاني، وكذلك الروايات من الأجيال الأكبر إلى الأصغر شفويًّا. فإذا اختفت تلك اللغات فسوف تختفي أيضًا المعرفة الشفوية المحفوظة فيها؛ حيث لا توجد لها صورة مكتوبة تُسَهِّل من عملية التوثيق.

فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن اللغة اللاتينية لم تعد تستخدم، فإنها لغة ميتة وليست منقرضة؛ لأنه قد تم الحفاظ عليها في صورة مكتوبة. وعندما تنقرض إحدى اللغات، تختفي ثقافة بأكملها معها؛ فما نجمعه نحن البشر من معلومات يكون مشفرًا داخل اللغة التي نستخدمها.

إن السكان الأصليين للجماعات التي كانت تعيش على مقربة من الطبيعة قد تأملوا النظام البيئي عن كثب؛ فاكتسبوا العديد من الأفكار والمعلومات التي أصبحت محفوظة في لغاتهم. وللأسف، فبمجرد أن تموت تلك الجماعات من الناس فإنها لا تترك خلفها أية سجلات مكتوبة، وتموت المعرفة التي قد اكتسبوها معهم أيضًا.

كان ذلك مصير جماعات أصلية عديدة، وبالتالي فإن دراسة لغات الجماعات الأصلية لها مزايا عديدة؛ حيث يحصل الفرد على فهم أكبر للبيئة المحيطة، الأمر الذي يساعد في جهود الحفاظ عليها. فدراسة العديد من اللغات تزيد من فهمنا لكيفية تواصل البشر مع بعضهم، وكذلك كيف يقومون بحماية المعرفة؛ حيث إن كل جماعة تتواصل بشكل مختلف عن الأخرى.

إذًا، ماذا يحدث من أجل محاربة ظاهرة موت اللغات؟ حسنًا، فقد بدأت ناشيونال جيوجرافيك في مشروع أطلقت عليه اسم «الأصوات المستمرة»، وتقوم بتنفيذه بالتعاون مع مؤسسة «الألسنة الحية للغات المهددة بالانقراض»؛ حيث تحاول جاهدة الحفاظ على اللغات المهددة بالانقراض عن طريق تحديد النقاط الساخنة –وهي الأماكن الموجودة على كوكبنا وفيها اللغات الأصلية الأكثر تميزًا، ويصعب فهمها أو مهددة– وتوثيق تلك اللغات وكذلك الثقافات التي تتضمنها.

كما رأينا، فاللغات يمكن أن تكون مهيمنة أو محتضرة. وهنالك طريقة أخرى لتصنيف اللغات، وهي تحديد المرحلة التي تكون فيها اللغة؛ فتكون إما «آمنة»، أو «مهددة بالانقراض» أو «محتضرة». ولقد ابتكر تلك الطريقة عالم اللغويات مايكل إي كراوس.

فأما إذا كانت اللغة «آمنة»، فمن المحتمل أن يتحدث بها الأبناء في خلال المائة سنة القادمة، وأما إذا كانت «مهددة بالانقراض»، فمن المحتمل ألا يتحدث بها الأبناء في خلال المائة سنة القادمة. وتقع حوالي 80:60% من اللغات ضمن هذه الفئة. وأخيرًا، فإذا كانت اللغة «محتضرة»، فإن الأبناء لا يتحدثون بها الآن.

حتى هنا فقد تعرفنا على كيفية موت اللغات، ولكن هل هناك أية لغات تولد؟ حسنًا، نعم! ولكي نفهم اللغات التي تولد بشكل أفضل، يجب أن تكون على دراية بـ«البدجن» و«الكريول».

إن «البدجن» هي اللغات التي تتشكل عندما يتحدث شخصان بلغتين مختلفتين فتختلطان مع بعضهما؛ فتتشكل لغة هجينة باستخدامهما للغتهما الخاصة للتواصل، وهذه اللغة ليست اللغة الأم لأيٍّ منهما. وبمجرد أن يكتسب الأبناء اللغة «البدجن» باعتبارها لغتهم الأم، تتحول إلى «كريول».

وهنالك لغات أخرى تولد ليست «البدجن» ولا «الكريول»، ولكنها لغة جديدة تمامًا. فلقد ولدت لغة «لايت وارلبيري» حديثًا، وهي لغة ابتكرها الأبناء الذين يعيشون في قرية بعيدة في شمال أستراليا. وتلك اللغة هي مزيج من لغة «الوارليبيري»، ولغة «الكريول»، واللغة الإنجليزية الأسترالية بصفتها مصادر لتلك اللغة. وتلك اللغة يتحدثها مجتمع اللاجامانو، وغالبًا ما يكون المتحدثون بها تحت سن الخامسة والثلاثين. وفي عام ٢٠١٣، كان هناك ٣٥٠ متحدثًا بلغة «لايت وارلبيري»، وقد تم توثيقها لأول مرة من قبل عالمة اللغويات كارميل أوشانيسي من جامعة ميتشيجين.

لقد قامت كارميل أوشانيسي بدراسة كلام الصغار لما يزيد عن عقد، وقد توصلت إلى استنتاج وهو أنهم يتحدثون لغة جديدة ذات قواعد نحوية مميزة. وما هو مثير كما قالت ماري لاهرين؛ وهي باحثة مقيمة لعلم اللغويات في جامعة كوينزلاند بأستراليا أن «كثير من أوائل المتحدثين بتلك اللغة ما زالوا أحياء، وأحد الأسباب التي تجعل بحث الدكتورة أوشانيسي مميزًا هو أنه كانت لديها القدرة على تسجيل لغة «جديدة» وتوثيقها في مستهل ظهورها».

كذلك فسرت أوشانيسي أن تطور اللغة كان على مدار عمليتين، وذلك عندما بدأ الآباء في استخدام حديث الصغار مع أولادهم مع مزجها بثلاث لغات؛ هي: الكريول، واللغة الإنجليزية، ولغة الوارليبيري القوية. فما حدث بعد ذلك هو أن الأبناء قد قاموا بأخذ تلك اللغة واعتبارها لغتهم الأم، وذلك بإضافة ابتكاراتهم الجذرية وتغيير القواعد.

ولقد أصبحت تلك اللغة غريبة على الآخرين إلى درجة أن كثيرًا من الكبار لا يفهمون ما يقوله صغارهم. وتعتقد الدكتورة أوشانيسي أن تطور اللغة الحديثة لم ينبع من الحاجة؛ ولكن لأنها أصبحت علامة للهوية عند الأبناء؛ فقد جعلتهم ما هم عليه الآن، وأوضحت أنهم صغار الوارليبيري من مجتمع اللاجامانو.

لا يستطيع البشر التعامل دون اللغة؛ حيث إن التواصل هو أحد أهم الأساسيات في حياتنا. ودراسة كيفية تطور اللغات يعطينا أفكارًا ومعلومات عظيمة عما يعنيه أن تكون إنسانًا؛ فالعمل على الحفاظ على اللغات المحتضرة يطمئننا أن المعرفة التي تتضمنها لن تفقد وأن الأجيال القادمة مازال بإمكانها الاستفادة من معرفة أجدادهم.

المراجع

www.bbc.co.uk

www.livescience.com

www.theguardian.com

http://mises.org

http://travel.nationalgeographic.com


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد شتاء 2014.

Image by pikisuperstar on Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية