ما عليك سوى كتابة اسم المرض الذي تبحث عن معلومات بشأنه في خانة البحث على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لتجد نفسك أمام المئات، وربما الآلاف من الفيديوهات والمقالات التي تتحدث عنه. لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت المعلومات في متناول الجميع، ولكن كيف أثر ذلك على استقبالنا للمعلومات الطبية، وهل حقًا غير نظرتنا إلى الأمراض؟
منذ فترة ليست ببعيدة كان الذهاب إلى الطبيب النفسي وصمة اجتماعية ربما تجعل صاحبها منبوذًا اجتماعيًا. أما الآن، مع انتشار المحتوى المتعلق بالطب النفسي وأهميته، أصبح المجتمع يتقبل المرض النفسي مثله مثل المرض العضوي، بل ويتعاطف مع مرضاه ويحاول تقديم الدعم لهم. وامتد الأمر ليشمل تشكيل مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعد مساحات لدعم المرضى وتخفيف معاناتهم لشعورهم أنهم ليسوا بمفردهم، ولكن ربما تكون بعض النصائح المتبادلة بين أعضائها غير موثوقة طبيًا أو غير مناسبة للبعض.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا هامًا أيضًا في تسليط الضوء على الأمراض النادرة؛ ففي الماضي لم يكن يعرف تلك الأمراض غير المصابين بها والمقربين إليهم. أما في العصر الرقمي، لا يقتصر الأمر على معرفة بعض المعلومات عن هذه الأمراض من خلال وسائل التواصل، بل يمكن أيضًا التواصل مع المصابين بها في جميع أنحاء العالم أو حتى مع الباحثين والأطباء.
أصبحت وسائل التواصل نافذة يعرض فيها الناس تجاربهم الشخصية خلال رحلتهم العلاجية من مرض أو اضطراب ما، مما يزيد من تعاطف الآخرين وتفهمهم لمعاناة المرضى ويعطي الأمل لمن يعانون حالات مشابهة. ولكن على الجانب الآخر قد يؤدي عرض التجارب الشخصية إلى عزوف البعض عن تناول أدوية معينة أو اتباع خطة علاجية محددة قد وصفها الطبيب لعدم نجاحها مع الآخرين، بالإضافة إلى إمكانية استغلال هذه التجارب في بعض الأحيان لجذب المتابعين أو تضخيم المعاناة لتحقيق تفاعل أكبر.
يؤثر صانعو المحتوى على القرارات الصحية التي يتخذها العامة، وإن كان بعضهم يقدم محتوى جيد مدعوم بمصادر علمية وطبية موثوقة، يستغل آخرون وسائل التواصل في الترويج لأنظمة صحية معينة أو مكملات غذائية دون مصدر علمي موثوق. فطبقًا لمنظمة الصحة العالمية يظهر أثر وسائل التواصل الاجتماعي على قرارات العامة جليًا عند انتشار جائحة أو وباء إذ قد يتم تبادل معلومات مغلوطة أو مضللة قد تثير الفزع فتدفع الناس إلى اتخاذ قرارات خاطئة.
على الجانب الآخر، ساهمت وسائل التواصل في رفع الوعي بشأن بعض الأمراض بفضل حملات التوعية الرقمية لأنها تصل إلى عدد كبير من الناس ويسهل مشاركة محتواها وحتى إنشاء محتوى متعلق بالحملة مما يزيد من انتشارها ونجاحها. وبالرغم من تأثير الحملات التوعوية الإيجابي وفاعليتها في التشجيع على الوقاية من الأمراض والفحص المبكر، فقد يؤدي الإفراط فيها إلى قلق متزايد عند البعض وتوهم المرض.
أما السلبيات، فقد تتسبب وسائل التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على أمراض معينة دون غيرها. فأظهرت بعض الدراسات أن الأمراض الأكثر انتشارًا على وسائل التواصل يكون لها النصيب الأكبر من اهتمام العامة ويعتقدون أنها الأخطر عن تلك التي لا تُذكر على نحو كافٍ، وهو ما يمكن أن يكون مضللًا في كثير من الحالات.
بات الأمر يشكل تحديًّا أكبر في ظل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبح المستخدمون يعتمدون عليها كمصدر للمعلومات على نحو أوسع حتى في مجال الصحة والأمراض، فقد تكون هذه المعلومات غير دقيقة وغير محدثة أو موجهة للجمهور العام وليس لحالات خاصة. وعلى أية حال فإن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين ينبغي استخدامه بطريقة واعية تضمن الحصول على المعلومات من مصادر موثوقة، وستظل استشارة المختصين هي الطريقة الأفضل، فمصدر المعلومة أهم من سرعة انتشارها.
المراجع
researchgate.net
pmc.ncbi.nlm.nih.gov
who.int
Cover image by Magnific.