يحتاج الكُتَّاب إلى أساس قوي يمكنهم بناء قصصهم عليه؛ والواقع يمدهم بذلك. وفي الأدب المستقبلي، يستخدم الكُتَّاب بعض الأفكار أو الظواهر الموجودة في الواقع الذي يعيشونه، ثم يطورونها ليخلقوا واقعًا مستقبليًّا جديدًا. وسواء كنت تقرأ رواية مثالية أو رواية تشاؤمية، فسوف تتعرف على رؤية الكاتب حول موضوع ما (قد تهتم أيضًا بقراءة «الجزء الأول: البداية»)، ولكن مهما اختلفت الأعمال الأدبية المستقبلية، فتوجد بعض الجوانب والموضوعات التي يشترك فيها معظم الكُتَّاب:
الحياة السياسية الاجتماعية
منذ أن نشر أفلاطون كتابه «الجمهورية»، يقوم الكُتَّاب عادةً بعرض وجهة نظرهم أو رؤيتهم الخاصة عن موضوع أو فكرة ما، مثلما عرض أفلاطون في كتابه رؤيته عن المدينة الفاضلة في المستقبل. و«الجمهورية» هي حوار سقراطي، أي أن المعلومات لا تُقدم مباشرةً، ولكنها تظهر من خلال طرح العديد من الأسئلة؛ فيعرض أفلاطون من خلاله تعريفاته للعدالة، ويوضح الصور الجدلية للحكم.
وقد اهتم كثير من روائيي العصر الحديث، مثل جورج أورويل، بالحياة السياسية الاجتماعية؛ فلاحظوا أشياء في واقعهم اعتبروها بمثابة تهديدات، وأوضحوا كيف يمكن أن تتحول مثل تلك المشكلات الصغيرة إلى كوارث حقيقية في المستقبل. وغالبًا ما تكون هذه الأشياء أو الموضوعات ذات طابع سياسي اجتماعي. وبهذه الطريقة، استطاع الكُتَّاب أن يلفتوا نظر جمهورهم إلى تلك المشكلات، آملين أن يقوم جمهورهم بعمل شيء حيال ذلك ليغيروا من الواقع.
الخوف من المجهول
في أغلب الأحيان، يعرض الكُتَّاب خوفهم من المجهول، وغالبًا ما يُترجم هذا الخوف في أعمال تتسم بنظرة تشاؤمية للمستقبل. وسواء كانت القصة تدور حول نظام استبدادي تغيب عنه الحريات وتقمع فيه الشعوب، أو مجتمع جامد تتم فيه ميكنة كل شيء ولا يوجد فيه مكان للعواطف أو المشاعر الإنسانية؛ فقد سادت النظرة التشاؤمية في الكثير من الروايات المستقبلية.
وها هي بعض الروايات المستقبلية التي جذبت انتباه الكثير من القراء من فئات عمرية وثقافات وعصور مختلفة ونالت إعجابهم:
باريس في القرن العشرين
ألف جولز فيرن رواية «باريس في القرن العشرين» في عام 1863م، وقد صور فيها باريس في عام 1960م، أي بعد مائة عام من الوقت الذي كتب فيها فيرن الرواية. وقد نُشرت الرواية لأول مرة في عام 1994م؛ لأن الناشر الذي كان يتعامل معه فيرن في حياته رفض نشر الرواية بدعوة أنها شديدة التشاؤم وغير واقعية بالمرة.
تصور الرواية شابًّا يعيش في عالم تسوده التطورات التكنولوجية، ولكنه يفتقر إلى الثقافة والفنون. ففي الرواية، تحتفي باريس بالتطورات التكنولوجية فقط؛ فلا يوجد في المكتبات سوى كتب عن التكنولوجيا، ويعتبر الاشتغال بالفنون عارًا. وهو زمن تطورت فيه الفنون القتالية للغاية مما أدى إلى الاستغناء عن الجنود، وأصبحت معظم النساء سيدات عاملات يشعرن بالضغوط النفسية المستمرة، وأصبحت الأغذية غير طبيعية ومصنوعة من الفحم، وذلك بالإضافة إلى الكثير من الظواهر الغريبة.
وقد صور فيرن نهاية مأساوية لهذا العالم الكئيب؛ حيث تتعرض باريس لمجاعة كبيرة جرَّاء هلاك المواد الغذائية، ويتعرض السكان إلى تغيرات مناخية تنخفض بسببها درجات الحرارة بشدة مما يؤدي إلى تجمد الأنهار.
في هذا العالم الافتراضي الذي صنعه فيرن، نجح في التكهن بعدة تنبؤات مستقبلية نشهد تحققها بعد أكثر من مائة عام من كتابة الرواية. وتشمل تلك التنبؤات: ناطحات السحاب، والآلات الحاسبة، وشبكات التواصل التلغرافية التي تُعرف الآن بشبكة الإنترنت، والكراسي الكهربية، والحواسب الآلية.
1984
«1984» رواية أَلَّفَها جورج أورويل، وهو أحد أعظم الكتاب في تاريخ الأدب الإنجليزي. وتعتبر هذه الرواية بمثابة نقد للحركة الاشتراكية التي كانت تحظى بالكثير من الدعاية الإعلامية والاهتمام حين كتب أورويل تلك الرواية.
فقد كان أورويل من مؤيدي الاشتراكية شأنه شأن الملايين من الناس حول العالم، إلا أن هوسه بهذه الصيحة السياسية قد تحول إلى احتقار وكراهية شديدين بعد أن شهد الحرب الأهلية في إسبانيا في عام 1937م؛ حيث كانت الأحزاب الماركسية الاشتراكية طرفًا من أطراف النزاع. فكانت هذه التجربة بمثابة نقطة تحول لجورج أورويل، وبعد أن أنهى إقامته في إسبانيا، أصبح من أكبر معارضي الاشتراكية؛ فتخيل كيف سيكون حال العالم لو سادت الاشتراكية في أنحائه.
في رواية «1984»، ترجم جورج أورويل مخاوفه إلى حقيقة عن طريق خلق هذا العالم الافتراضي المستقبلي الذي يسوده الاستبداد والقهر؛ حيث لا توجد خصوصية ولا يوجد مكان للحياة الفردية الخاصة. فتتم مراقبة كل شيء من قِبل «الأخ الأكبر»، وهو رمز ابتدعه الحزب الحاكم.
وينجح بطل الرواية، وينستون، في خلق عالم خاص به بعيدًا عن أعين الحزب الحاكم، وبعيدًا عن الأخ الأكبر؛ حيث تنشأ علاقة عاطفية بينه وبين فتاة تدعى جوليا، والتي تشاركه كرهه للنظام. ولكن، يكتشف وينستون وحبيبته جوليا في نهاية الرواية أن علاقتهما التي كانا يظنان أنها خاصة لم تكن خاصة على الإطلاق؛ فيتم إلقاء القبض عليهما وتعذيبهما حتى يتخليان عن أفكارهما الثورية ويخضعان للنظام الاستبدادي.
أنا روبوت
في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، انتهت الحرب العالمية الثانية؛ حيث أصبح العالم في ذلك الوقت مهووسًا بفنون القتال الجوية، وبدور التكنولوجيا في المجتمع. وقد عبرت القصص القصيرة التي قام إسحق أزيموف بكتابتها عن مخاوف البعض من التكنولوجيا، كما قام بشخصنة الإنسان الآلي في إشارة إلى أن التكنولوجيا ليست ضارة، ولكن الطريقة التي يتم التعامل معها في بعض الأحيان هي التي قد تكون ضارة. وقد لاقت قصص أزيموف نجاحًا كبيرًا إلى أن تم اختيار تسع من أفضل قصصه في عام 1950م؛ لتنشر في مجموعة تحت عنوان «أنا روبوت».
وقد غيرت المجموعة القصصية «أنا روبوت»، والتي تعد أوسع كتب أزيموف انتشارًا، فكرة العالم عن الذكاء الاصطناعي إلى الأبد. فتروي القصص حكايات عن روبوتات حساسة، وروبوتات فقدت السيطرة على نفسها، وروبوتات أخرى قادرة على قراءة ما يخطر ببال البشر، وروبوتات ماكرة، وغيرها من الروبوتات التي تسيطر على الحياة السياسية في الخفاء. وتصور القصص الموجودة في مجموعة أنا روبوت القصصية التطور الزمني للروبوتات بدءًا من النماذج البدائية ووصولاً إلى الروبوتات المثالية؛ فتمزج القصص بين الحقائق العلمية والخيال العلمي من خلال أسلوب أزيموف الشيق في الكتابة.
فهرنهايت 451
هي رواية عمرها خمسون عامًا كتبها راي برادبري، وتصور مكانًا كئيبًا في المستقبل يحكمه نظام مستبد؛ حيث لا يكون لرجال المطافئ، كما نعرفهم، أي وجود. فبدلاً من إطفاء الحرائق، يقومون بإشعالها.
فالكتب محظورة قانونًا في ذلك العالم الذي خلقه برادبري، ولكن ذلك ليس لأنها في حد ذاتها التي تُشَكِّل خطرًا على تلك الحكومة الافتراضية؛ ولكن لأن هؤلاء الحكام المستبدين يخافون المعرفة التي تنشرها تلك الكتب بين الناس. ومن خلال الوعظ المستمر والخطب الرنانة لنظام الحكم، أصبح السكان يكرهون الكتب ويخافون هؤلاء الأشخاص الذين يحتفظون بها ويحاولون قراءتها؛ فيعتبرونهم غريبي الأطوار وخطرين.
وفي يوم ما، يقابل مونتاج، وهو أحد رجال المطافئ، شابة تُعَرِّفه بجمال الكتب والمعرفة، وتوضح له أهمية مشاركة الأفكار بين الناس. وعندما تتداعى كل أفكار مونتاج السابقة، يجد نفسه مجبرًا على أن يتساءل عن معنى وجوده والدور الذي يلعبه في الحياة. وبعد أن يكتشف مونتاج أن «كل شيء ليس على ما يرام»، يبدأ في تصحيح كل ما حوله.
الحياة كما عهدناها
«الحياة كما عهدناها» رواية من تأليف سوزان بيث فيفر نُشرت في عام 2006م، وقد حازت على جوائز عديدة. تصور الرواية الحياة في شمال شرق ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية عندما يصطدم كويكب بالقمر مما يُقَرِّب القمر إلى الأرض. وقد تأثرت سوزان، كاتبة الرواية، بفيلم الخيال العلمي "النيزك"، والذي جعلها تفكر كيف ستكون الحياة وكيف سيتصرف الناس عندما يواجهون مثل تلك الكارثة التي تناولتها في روايتها.
ففي رواية «الحياة كما عهدناها»، تجتاح فيضانات تسونامي السواحل المختلفة وتهز الزلازل أركان العالم، وينتشر الرماد البركاني في الأجواء؛ فيحجب أشعة الشمس. وتنجح ميراندا، بطلة الرواية، في إقناع شقيقيها وأمها بالاحتماء في غرفتهم الشمسية؛ حيث يعيشون على مواد غذائية قاموا بتخزينها من قبل وكمية محدودة من المياه، ويجتمعون حول الدفء المنبعث من موقد صغير. وبهذه الطريقة، تستطيع ميراندا أن تحافظ على تفاؤلها في هذا العالم المحبط. ويشعر القُرَّاء بأن الرواية منطقية وواقعية إلى حدٍّ ما من خلال أسلوب سوزان الكتابي الذي تم الإشادة به، بالإضافة إلى موضوع الرواية التي تتناول الكوارث الطبيعية التي تشكل خطرًا حقيقيًّا في عالمنا.
المراجع
www.herasaga.com/wp-content/uploads/2009/12/Futuristic-Fiction.pdf
www.bookrags.com
www.barnesandnoble.com
www.sparknotes.com
http://sparknotes.com
http://amazon.com
http://tezmilleroz.wordpress.com/2009/01/30/6-new-to-me-futuristic-ya-novels/
هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في «نشرة مركز القبة السماوية العلمي»، عدد ربيع 2012.
Cover image by Magnific