المقالات

ظاهرة سبق الرؤية... بين الوهم والحقيقة!

شارك

هل سبق أن شعر أحدكم أنه قد عايش موقفًا يعيشه توًّا من قبلُ؟ إنها الظاهرة الغريبة والفردية التي يقوم بها العقل الإنساني، والتي تُعرف باسمها الأشهر vu Déjà أو «سبق الرؤية».

تعبير ـ vu Déjà ابتدعه العالم الفرنسي إيميل بواراك عام 1876م، حين استخدمه في كتابه «مستقبل العلوم النفسية». وأصبح المصطلح المتداول بامتياز لوصف هذا النوع من الشعور، رغم محاولة عديد من العلماء ابتداع مصطلحات معادلة أو شارحة للظاهرة نفسها. وحالة سبق الرؤية قسمها عالم النفس السويسري أرتور فانكوزير إلى ثلاثة أنواع: سبق العيش Déjà vécu، وسبق الشعور Déjà senti، وسبق الزيارة Déjà visité، وكلها يشير إلى إحساس الإنسان في لحظة مفاجئة وخاطفة بأن ما يعيشه الآن قد عاشه حتمًا من قبل.

حاول كثير من العلماء الربط بين هذه الظاهرة الفردية، وحالات الاضطراب العقلي أو النفسي التي قد تصيب بعض الأشخاص، ولكن تأكد أنها حدثت لمرة واحدة على الأقل مع جميع الناس؛ وهو ما أدى إلى استبعاد نظرية ربطها بمرض أو اضطراب أو خلل. فهذه الظاهرة ببساطة ذات علاقة وثيقة بطريقة التسجيل الآنية للحدث في المخ، والتنسيق في هذه العملية المعقدة بين فصي المخ الأيمن والأيسر، كما أنها ذات علاقة بزيادة نسبة إحدى الناقلات العصبية وهي الدوبامين في بعض خلايا الفص الصدغي للمخ، ويرجعها بعض العلماء أيضًا إلى خلل في عملية تفريغ الشحنات الكهربية في المخ.

على صعيد آخر، تُفسر هذه الظاهرة علميًّا بأن المخ عبارة عن مناطق، وكل منطقة مسئولة عن وظيفة؛ فالرؤية مثلًا تكون في مؤخرة الرأس، والسمع على الجانبين، وهكذا. وما يحدث هو عندما يرى الإنسان شيئًا فإن ما يترجمه أولًا هو الجزء الخاص بالرؤية (Visual Center)؛ حيث إن وظيفته ترجمة الإشارات إلى صورة فقط؛ أما فهم هذه الصورة واستيعابها أو تذكرها إذا كانت مألوفة، فإنه سيكون في جزء آخر هو مركز الإدراك (Cognitive Center). وفي هذه الظاهرة يحدث في بعض الأحيان تأخر بين العمليتين؛ فتمر برهة من الوقت تدخل فيها الصورة إلى مركز الذاكرة قبل أن تصل إلى مركز الإدراك، فيظن المخ أنه رآها من قبل.

يُرجع تحليل آخر هذا الأمر إلى أن وجود الإنسان في مكان ما أو تعرضه لموقفٍ ما يترجم الأحداث إلى إشارات في الأعصاب؛ فترسل الأعصاب هذه الإشارات إلى مركز الذاكرة القصيرة ليتم حفظها هناك. وتتم هذه العملية في أقل من جزء من الثانية، ولكن يحدث أحيانًا أن ترسل الأعصاب نفس الإشارات إلى مركز الذاكرة الطويلة بالخطأ؛ فيشعر الإنسان بأن هذا الموقف قد مر به من قبل.

ولأن الذاكرة الطويلة تحتفظ بعدد لا نهائي من الذكريات المخزنة فيها منذ أن نما وعيُنا إلى اللحظة الآنية، فإن هذه الظاهرة قد تنجم عن معلومات تعلمناها في الماضي ونسيناها واستطعنا الآن استرجاعها فتخيلنا أننا نعيش الموقف مرتين؛ وذلك لأن المخ البشري لا يمسح أي معلومة سجلها، وإن نسيناها نحن. كذلك، فإن ذاكرة العقل الباطن قد تصل إلى ملايين أضعاف العقل الواعي، ومن ثم، فإن ما تم تسجيله وتخزينه في العقل الباطن ربما قبل الحدث بعشرات الأعوام سيتم استدعاؤه واسترجاعه وتذكره فور مشاهدة الموقف نفسه.

هناك وجهة نظر ميتافيزيقية تقول إن ظاهرة سبق الرؤية تعد من قبيل الحاسة السادسة للإنسان؛ حيث تمكن عقل الإنسان بقدراته الفائقة من التقاط بدايات حدثٍ ما قبل بدء حدوثه بثوانٍ، واستكمالها بعقله، ومن ثم عندما بدأ الحدث فعليًّا، اعتقد الإنسان أنه قد عاشه من قبل. في واقع الأمر، هناك تفسيرات كثيرة لهذه الظاهرة الفريدة، ولكن ليس هناك تقرير نهائي أو شرح علمي مؤكد عن أسباب حدوثها ولا عما إذا كانت ذات دلالة على وضعية المخ، أو مستوى شحناته الكهربائية، أو الكيمياء الحاكمة لعملياته الحيوية؛ فالأمر كله لا يزال يخضع للغموض والاحتمالات.

إن ظاهرة سبق الرؤية من انفرادات العقل البشري الذي أبدعه الخالق جل وعلا، فأحسن تقويمه {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا} سورة الإسراء (الآية 85).


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة «كوكب العلم»، عدد شتاء 2018. 


Banner image creditImage by wayhomestudio on Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية