هل ما أنت عليه الآن نتيجة الجينات التي ورثتها؟ أو التجارب التي مررت بها؟ وهل وُلدنا بسجل نظيف، أو صفحة بيضاء كما هي؛ ومن ثم الحالة التي نصل إليها هي نتيجة لتفاعلنا مع البيئة أو طريقة تربيتنا؟ أو أننا ولدنا بالفعل مجهزين بالسمات التي سوف تشكلنا أفرادًا؟
الطبيعة مقابل التنشئة مفهوم يوناني قديم؛ إذ ترتبط الطبيعة هنا بالصفات الموروثة لدى الفرد – فأنت مجهز عند الولادة بصفات معينة سوف تحدد من ستصبح – في حين إن التنشئة مرتبطة بكيفية تأثير العوامل الخارجية في تطور الفرد. لقرون، مال الجدال حول تطور الإنسان إلى التركيز في تفضيل جانب أو آخر من الاثنين؛ ولكن، مع تقدم العلم وقدرتنا على التعمق أكثر في تكويننا على المستوى الجزيئي، أصبح من الواضح تمامًا أن كليهما يؤثر فيما نصبح عليه.
حتى وقت قريب، كان يُعتقد أن الجينات وراثية وثابتة؛ فقد ولدت حاملًا لها ولم تتأثر صفاتك الوراثية بطبيعة بيئتك. إلا أن الأبحاث الحديثة في «علم التخلق» – وهو مجال دراسة يتعمق في هذه الأسئلة – تغير ذلك المعتقد. فيقول دكتور ديفيد مور، مؤلف كتاب «الجينوم المتطور»، إنه: «لأطول فترة، صُوِّر الجدل حول الطبيعة والتنشئة على أنه نوع من التنافس بين الجينات والتجارب... وما يوضحه علم التخلق هو أن هذه طريقة للتفكير في الموقف خاطئة؛ لأنه ليس صحيحًا أن سلوك الجينات منفصل عن سياقاتها. على العكس، فالجينات تفعل ما تفعله بسبب السياقات الموجودة فيها؛ فتعمل الطبيعة مع التنشئة دائمًا لإنتاج كل سماتنا».
في علم التخلق Epigenetics، تعني كلمة Epi فوق، وهو مؤشر إلى وجود شيء آخر فوق «الجين»؛ ذلك هو معدل خارجي للجين يمكن تشغيله أو إيقافه. فيظل تسلسل الحمض النووي كما هو؛ ولكن كيفية قراءة الخلايا الأخرى له هي ما تتغير. فيمكن للتغيرات التخلقية أن تتداخل مع نسخ جينات معينة أو تعزيها. ويحدث ذلك من خلال ربط العلامات الكيميائية بالحمض النووي أو البروتين الملفوف حول الحمض النووي. تلك العلامات الكيميائية هي ما فوق الجينوم، والتي يمكن أن تمنع بعض الجينات من أن تُقرأ أو بمعنى آخر توقف عملها، أو أن تسمح بسهولة الوصول إلى بعض الجينات، ومن ثم يسهل إنتاج البروتينات باستخدام أكوادها. يتأثر تكوين ما فوق الجينوم بعوامل عدة، من بينها: النظام الغذائي، والأدوية، وممارسة الرياضة، والتعرض للملوثات، حتى المواقف الاجتماعية.
كان يُعتقد أن التغيرات فوق الجينية لا تنتقل من الأبوين إلى الأبناء، ولكن ثبت أنه ممكن. ففي دراسة أجريت على الفئران، تعرضت الفئران إلى رائحة الكرز قبل أن تتعرض لصدمة كهربائية. وبعد عدة مرات، أصبحت الفئران تتوتر وتخاف عندما تشم رائحة الكرز. وأظهر نسل تلك الفئران الخوف نفسه من رائحة الكرز رغم أنها لم تتعرض للصعق الكهربائي. فقد حدث تغير على المستوى الجزيئي في الفئران الأصلية بسبب بيئتها، وكان هذا التغيير متخلقًا في الطبيعة، ثم انتقل إلى نسلها.
وبالرغم من أن هذه الدراسة أجريت على الفئران، فالآثار تشير إلى فكرة أن التغيرات فوق الجينية لا يمكن أن تحدث بسبب البيئة التي تعيش فيها فحسب، بل يمكن أيضًا أن تنتقل من جيل إلى آخر. في الوقت نفسه، فإن التغيرات فوق الجينية ليست دائمة طوال الوقت. بهذه الطريقة، فإنه بينما تظل الجينومات دون تغيير، يمكن أن يغير ما فوق الجينوم طريقة ظهوره؛ فتكون وسيطًا للعلاقة بين الجينات والبيئة. إذا نظرنا إلى الطبيعة والتنشئة من هذه الزاوية، نجدهما مرتبطين ويعملان معًا دائمًا.
فبينما نرث جيناتنا، وهو أمر خارج عن إرادتنا، فمن الواضح أن ما فوق الجينوم الذي يتشكل يتأثر بالطريقة التي نعيش بها حياتنا. إنها وسيلة جديدة للاستكشاف مع إمكانات غير مستغلة؛ فيُعد هذا المجال المتنامي خطوة أخرى للعلم من أجل فهم أفضل للغز تطور الإنسان.
المراجع
behavioralscientist.org
whatisepigenetics.com