هل يمكن لعقار واحد أن يعالج أكثر من عشرة أنواع من السرطان؟ يُظهر نيفولوماب (Nivolumab)، وهو علاج مناعي للسرطان معتمد من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، نتائج واعدة في علاج أنواع عديدة من السرطان، بما في ذلك: سرطان القولون والمستقيم، وسرطان المريء، وسرطان المعدة، وسرطان الرأس والعنق، وسرطان الكبد، وسرطانة الرئة (غير صغيرة الخلايا)، والليمفوما (هودجكين)، وسرطان الجلد، وورم المتوسطة، وسرطان الخلية الكلوية، وسرطان الظهارة البولية.
السرطان هو مجموعة من الأمراض المدمرة التي تتصف بنمو خلوي غير منضبط يغزو الأنسجة الطبيعية، مما يؤدي إلى حدوث مضاعفات. على مدار عقود، عكف متخصصون على إجراء أبحاث مكثفة للكشف عن تعقيدات هذا المرض والتوصل إلى علاجات نهائية لجميع أنواعه، ولكن لا يزال النجاح محدودًا. من كان يتخيل أن العلاج قد يكون موجودًا بالفعل في أجسامنا؟ إنه جهازنا المناعي.
إن جهازنا المناعي مصمم لحماية أجسامنا بناءً على خاصية تعرُّف «الذات والغريب». فهو يتعرف الأجسام الغريبة، مثل البكتيريا والفيروسات، ومن ثمَّ يقضي عليها. وكذلك الخلايا السرطانية تختلف عن بقية خلايا الجسم السليمة، وبالتالي يرصدها الجهاز المناعي ويقضي عليها. من الآليات التي يستخدمها مرض السرطان لخداع الجهاز المناعي تثبيطُ الاستجابة المناعية عن طريق إفراز بروتين موت الخلية المبرمج 1 (PD-L1). ويرتبط بمستقبل بروتين موت الخلية المبرمج 1 (PD-L1) الموجود على سطح الخلايا التائية، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء التي تؤدي دورًا مهمًّا في الاستجابة المناعية ضد السرطان، مما يؤدي إلى تثبيط عمل الجهاز المناعي.
يركز نهج العلاج المناعي للسرطان على معالجة قصور الاستجابة المناعية المصاحبة للمرض، مما يفتح الباب أمام احتمالات طال انتظارها. من بين هذه المناهج كان ابتكار أدوية «مثبطات نقاط التفتيش»، التي تعمل على منع الارتباط بين الخلايا السرطانية والخلايا التائية. هذا الحظر يمنع الخلايا السرطانية من خداع الجهاز المناعي. وهذا ما يؤدي إلى تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للسرطان، مما يساعد على تدمير الخلايا السرطانية في النهاية. يُعد «نيفولوماب» –وهو جسم مضاد أحادي النسيلة– مثالًا على أدوية العلاج المناعي للسرطان المعروفة باسم «مثبطات نقاط التفتيش».
في عام 2014، حصل عقار «نيفولوماب» على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لاستخدامه بمفرده أو إلى جانب علاجات أخرى. في إبريل 2025 أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا أن المرضى سيتلقون جرعة عقار «نيفولوماب» عن طريق الحقن تحت الجلد كل أسبوعين أو كل شهر، وذلك حسب نوع السرطان. ستستغرق هذه الطريقة خمس دقائق بدلًا من ساعة في حالة التنقيط الوريدي، وذلك لعلاج 15 نوعًا من السرطان، وقد أبدى المرضى رضاهم التام عنها خلال التجارب السريرية. أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) أن هذا الابتكار قد يساهم في علاج 15000 مريض بالسرطان سنويًّا. هذا العلاج لن يساعد في علاج السرطان بفعالية فحسب، بل سيساهم أيضًا في تخفيف معاناة المرضى وتخفيف الضغط على النظام الصحي.
لا تعمل جميع أنواع العلاج المناعي للسرطان بالطريقة نفسها، وقد لا تعالج أنواع السرطان نفسها. وهناك نوع آخر مثير للاهتمام من العلاج المناعي يُعرف باسم «الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية»، وهو علاج يعمل بطريقة مختلفة عن عقار نيفولوماب. يتضمن العلاج بالخلايا التائية استخراج الخلايا التائية من جسم المريض وتعديلها جينيًّا في المختبر، لتظهر بروتينات معينة على سطحها، تُعرف بـ«مستقبلات المستضد الخيمرية (CARs)». تُمكِّن هذه مستقبلات (CARs) الخلايا التائية من تعرُّف مستضداتٍ معينة فوق سطح الخلايا السرطانية (وأحيانًا الخلايا العادية) والارتباط بها، مما يعزز قدرتها على تدمير الخلايا السرطانية بشكل كبير.
في عام 2017، حصلت الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج الأطفال المصابين بمرض لوكيميا الأرومة اللمفاوية الحادة. وفي وقت لاحق، تمت الموافقة على استخدامه لعلاج أنواع أخرى من السرطان، منها الورم النخاعي المتعدد، وسرطان الدم الليمفاوي الحاد للخلايا البائية لدى البالغين، وسرطان الغدد الليمفاوية الجريبي، وسرطان الغدد اللليمفاوية للخلايا البائية الكبيرة، وسرطان الدم الليمفاوي المزمن، وسرطان الدم الليمفاوي الحاد للخلايا البائية لدى الطفال والشباب. رغم أن نيفولوماب وعلاج الخلايا التائية يعملان على نوع الخلايا نفسه (الخلايا التائية)، فإن آليات عملهما وأنواع السرطان التي يعالجانها تختلف.
يمثل نهج العلاج المناعي تحولًا جذريًّا في علاج السرطان، حيث يعتمد على تسخير الجهاز المناعي للجسم لتعرُّف الخلايا السرطانية وتدميرها، مما يمهد الطريق لخيارات علاجية أكثر أمانًا وفعالية.
المراجع
cancer.gov (1)
cancer.gov (2)