قراءة لما بين سطور المستقبل: البداية

شارك

بين الحين والآخر، نضع الافتراضات التي نتكهن بها كيف سيكون الحال في المستقبل. وتحمل بعض تلك الافتراضات تفاؤلًا هائلًا، بينما تتسم كثير من الافتراضات الأخرى بالتشاؤم الشديد الذي قد يجعل المستقبل يبدو ثقب أسود يقضي على أية بادرة أمل لدينا أو نظن أنها لدينا.

ويُعرَف مؤلفو الروايات بإبداعهم وقدرتهم على تجسيد الماضي، ونقل الحاضر، وتخيل المستقبل، بطرق عدة تُحَفِّز قُرَّاءهم على التفكير والتأمل حيال أنفسهم وحياتهم، وبالتأكيد حيال مستقبلهم.

منذ البداية

لقد نالت الأعمال الأدبية المستقبلية شعبية واسعة منذ أمد بعيد، عندما نشر أفلاطون كتابه «الجمهورية» الذي يعد من أوائل ما نُشر عن فكرة «اليوتوبيا» أو المدينة الفاضلة. بعد ذلك، وبالتحديد في عام 1516، في أثناء النهضة الأوروبية، ظهرت حركة لإحياء الفنون والحضارات والثقافات القديمة، مثل الحضارة الإغريقية القديمة؛ ونشر توماس مور كتابه «يوتوبيا».

ويطرح فيه توماس مور معتقداته وأفكاره عن المدينة الفاضلة في كثير من الموضوعات؛ مثل التسامح الديني، والمساواة بين الرجل والمرأة في التعليم، وتقاسم السلطة، وما تجلبه الملكية الخاصة من شرور، وغيرها من الموضوعات. ويتناول الكتاب الذي نشر باللغة اللاتينية قصة الرحالة رفائيل هيثلوديوس، والذي يصف طبيعة الحياة السياسية في جزيرة خيالية اسمها «يوتوبيا». ويرى معظم المفكرين أن كتاب مور ما هو إلا نقد لأوروبا في خلال تلك الحقبة.

بعد مرور قرن على صدور هذا الكتاب، نشر فرانسيس بيكون كتابه «أطلانتس الجديدة»، والذي مزج فيه بين العلم والتقدم المادي وبين رؤيته المستقبلية التي تتصف بالمثالية. في هذه الرواية، يتناول بيكون قصة «بني سالم»، أي أرض السلام، وهو مكان يُحتفى فيه بالقيم والمثل العليا مثل الورع الديني والكرامة.

وقد سلك كثير من الكُتَّاب فيما بعد النهج نفسه الذي اتبعه فرانسيس بيكون في رؤيته للمستقبل ومزجوها بالعلم، وقد أصبح ذلك جليًّا مع بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. ومن بين هؤلاء الروائيين الذين تأثروا كثيرًا برؤية بيكون المثالية جولز فيرن، وهو كاتب فرنسي عُرِف بعد ذلك بمؤسس أدب الخيال العلمي. وقد نشر فيرن روايات تعد الآن من كلاسيكيات أدب الخيال العلمي، ومنها «رحلة إلى مركز الأرض» و«حول العالم في ثمانين يومًا». وقد أذهل فيرن القراء بكتاباته عن البراكين والفضاء وأعماق البحار في وقت كانت كل تلك العوالم غير معروفة بالمرة وغريبة بالنسبة للإنسان.

إلا أنه بحلول القرن العشرين، بدأ الكُتَّاب والأدباء بالشعور بالتشاؤم حيال المستقبل. ولهذا، حظي الأدب التشاؤمي بشعبية واسعة في ذلك الوقت؛ إلا أن الكُتَّاب لم يتوقفوا عن استخدام العلم موضوعًا رئيسيًّا في أعمالهم. فأصبح العلم وسيلة هلاك بدلًا من الرفاهية والراحة كما كان الحال في الأعمال التي نشرت من قبل في فترات سابقة. وتعد رواية «عالم جديد شجاع» للكاتب ألدوس هاكسلي، والتي نشرت في عام 1932م، أحد الأمثلة على ذلك.

نشأ ألدوس هاكسلي، وهو كاتب إنجليزي، وسط عائلة من الكُتَّاب والعلماء والمعلمين، وقد درس العلوم والأدب؛ الأمر الذي مكَّنه من استخدام العلم موضوعًا رئيسيًّا في أعماله الأدبية. وعندما نشر هاكسلي كتابه، كان العالم على وشك أن يشهد صراعات وكوارث بدت وكأنها تترجم ما كتبه هاكسلي في روايته؛ حيث يتم التضحية بحياة الإنسان، بكل ما فيها من عواطف وانفعالات ومشاعر، في سبيل التقدم العلمي والتكنولوجي، الأمر الذي كان يفترض أن يخلق استقرارًا اجتماعيًّا.

ففي رواية «عالم جديد شجاع»، يتم إنتاج الآلاف من الأجنة البشرية المتطابقة، والتي تُقَسَم إلى خمس فئات: ألفا وبيتا وجاما ودلتا وإبسيلون. وتتم برمجة الأجنة من نوع ألفا ليصبحوا قادة، وذلك لمستواهم الفكري المتطور؛ بينما تتسم الأجنة من نوع إبسيلون بأقل معدلات الذكاء، ولهذا يقومون بالأعمال الشاقة التي لا تتطلب سوى القدرة الجسمانية.

ولا تتم برمجة الأطفال ليقدموا مستويات معينة من الأداء فحسب، ولكنهم أيضًا يتعلمون أخلاقيات العالم الذي يعيشون فيه، وهو عالم خالٍ من العواطف والرغبات والعلاقات الإنسانية. وتصور الرواية أيضًا معسكر الوحشيين؛ حيث يعيش البشر الحقيقيون، ويمثل هذاالمعسكر النقيض للعالم السائد. ونرى هذا الصدام بين هذين العالمين من خلال أعين جون، وهو بطل الرواية الذي ينتمي لمعسكر الوحشيين، ولكنه يحظى بفرصة التعرف على نمط الحياة في العالم الآخر. وتنتهي الرواية بشكل تراجيدي عندما ينتحر جون لأنه ببساطة شديدة لم يتقبل فكرة أنه أصبح جزءًا من العالم الذي يحتقره بشدة.

الفن مرآة الواقع، ولكن ماذا إذا أراد الفنان أن يخلق عالمًا جديدًا ومختلفًا في المستقبل؟ هل سيستخدم الواقع الذي يشهده؟ حسنًا، يحتاج الكُتَّاب إلى أساس قوي يمكنهم بناء قصصهم عليه؛ والواقع يمدهم بذلك. وفي الأدب المستقبلي، يستخدم الكُتَّاب بعض الأفكار أو الظواهر الموجودة في الواقع الذي يعيشونه، ثم يطورونها ليخلقوا واقعًا مستقبليًّا جديدًا. وسواء كنت تقرأ رواية مثالية أو رواية تشاؤمية، فسوف تتعرف على رؤية الكاتب حول موضوع ما؛ ولكن مهما اختلفت الأعمال الأدبية المستقبلية، فتوجد بعض الجوانب والموضوعات التي يشترك فيها معظم الكُتَّاب.

المراجع

www.herasaga.com/wp-content/uploads/2009/12/Futuristic-Fiction.pdf

www.bookrags.com

www.barnesandnoble.com

www.sparknotes.com

http://sparknotes.com

http://amazon.com

http://tezmilleroz.wordpress.com/2009/01/30/6-new-to-me-futuristic-ya-novels/


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في «نشرة مركز القبة السماوية العلمي»، عدد ربيع 2012.


Cover image by Magnific

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية