نظام أبيب: الثنائي النجمي وولف–رايت بين أسرار الكون وحدود الخيال

شارك

عندما تسمع كلمة «أفعى» أو «ثعبان»، قد يتبادر إلى ذهنك رمز الأوروبوروس، الأفعى التي تلتهم ذيلها، وتجسد فكرة الأبدية ودورة الحياة والموت. وإن كنت مهتمًا بالكيمياء، فربما تتذكر كيكولي وحلم اليقظة الذي رأى فيه ثعبانًا يلتف حول نفسه ويأكل ذيله، وهو ما ألهمه اقتراح الشكل الحلقي لجزيء البنزين. أما إن كنت متخصصًا في الصيدلة أو الطب، فسيخطر ببالك وعاء هيجيا أو عصا أسكليبيوس، حيث يرمز الثعبان للشفاء والحكمة وتجدد الحياة. وإن كنت مشغوفًا بالأساطير المصرية القديمة، فقد تستحضر صورة أبيب، الأفعى التي تحاول كل ليلة ابتلاع الشمس ونشر الفوضى في العالم.

تعكس صورة حديثة التقطها تلسكوب جيمس ويب أحد هذه التصورات؛ غير أن ما تقدمه الأساطير بوصفه مشهدًا لثعبان في العالم السفلي، يظهر فيها مشهدًا حقيقيًّا في السماء.

قصة بدأت منذ ملايين السنين

قبل ملايين السنين، كانت سحابة هائلة من الغاز والغبار تجول في الفضاء. وبمرور الوقت، بدأت الجاذبية تسحب مادتها إلى الداخل، فانكمشت تدريجيًّا وازدادت كثافةً وحرارة. ومع بلوغ السحابة الكتلة الحرجة، تكدست المادة في مركزها واشتدت درجة حرارتها، إلى أن تكوَّن في النهاية نجم أولي جديد.

ومع تزايد الضغط والحرارة، أصبح قلب هذا النجم الشاب ساخنًا بما يكفي لدمج أنوية الهيدروجين وتحويلها إلى هيليوم بمعدل هائل. لكن الاندماج النووي اقتصر في هذه المرحلة المبكرة على الهيدروجين الموجود في القلب فقط؛ فطبقاته الخارجية كانت أبرد وأقل ضغطًا من أن تسمح بحدوث الاندماج. ولهذا احتفظ النجم في أغلفته السطحية بمخزون واسع من الهيدروجين، وهو بقايا مباشرة من السحابة التي ولِد منها.

مع مرور الوقت، استنفد القلب ما فيه من هيدروجين، فانكمش وارتفعت درجة حرارته أكثر، وبدأ بدمج الهيليوم وتكوين عناصر أثقل مثل الكربون والنيتروجين والأكسجين. أدت هذه التفاعلات العنيفة إلى تضخيم إشعاع النجم وتقوية رياحه النجمية إلى درجة مكنته من نزع طبقاته الخارجية: أولًا الغلاف الغني بالهيدروجين، ثم الطبقة الغنية بالهيليوم من تحته.

وحين قُذِفت الطبقات الخارجية إلى الفضاء، انكشف قلب النجم، وظهر أمامنا نجم من نوع وولف–رايت؛ لبٌّ عارٍ يستعر بضراوة، ويكشف ما كان مخفيًّا في أعماقه.

يتألق قلب نجمنا ببصمات طيفية غنية بالكربون، بينما يُظهر بعض أقرانه من نجوم وولف–رايت خطوطًا طيفية يغلب عليها النيتروجين أو الأكسجين، دليلًا على أنها قطعت شوطًا أعمق في تطورها. وتعد نجوم وولف–رايت نادرة في مجرة درب التبانة؛ فعدد قليل فقط من النجوم يمتلك كتلةً هائلة تكفي لبلوغها هذه المرحلة من حياتها. كما أن هذه الفترة نفسها لا تدوم إلا بضعة آلافٍ من السنين.

نظام أبيب

في قلب نظام أبيب –الذي سُمي تيمنًا بأسطورة أفعى الفوضى المصرية– يقع نظام ثنائي يضم نجم وولف–رايت غنيًّا بالنيتروجين، وآخر غنيًّا بالكربون، وهو النجم الذي تتبعنا رحلته. يدور هذان النجمان بعضهما حول بعض، مستكملين دورة كاملة كل نحو 190 عامًا. وعندما يقتربان في مسارهما الإهليلجي الطويل، تصطدم رياحهما النجمية بعنف، فتنضغط المادة وتبرد بسرعة كافية لتتشكل حبيبات الغبار. وباستمرار دوران الثنائي، يُطلق هذا الغبار في الفضاء على شكل دوامة متواصلة، حيث تمثل كل لفة لحظة سابقة في مدار النجوم، لتتشكل في النهاية حلزونة شبيهة بالثعبان. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فيوجد نجم ثالث يدور حول هذا الزوج من مسافة أكبر. ورغم أنه لا يشارك في تكوين الغبار، فإن جاذبيته ورياحه النجمية تشوه الطبقات الخارجية للغبار، مما يزيد من تعقيد النحت وينتج شكلًا أكثر ديناميكية وتفردًا.

رؤية ويب الجديدة

كشف تليسكوب جيمس ويب الفضائي، بكاميراه القوية التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء المتوسطة، عن تفاصيل لم تكن مرئية من قبل. تظهر الصورة أربع طبقات غبارية مميزة، تمثل كل منها حلقةً في تاريخ النظام الحديث. وتمثل هذه الطبقات بدورها قرابة سبعة قرون من النشاط، وتتمدد نحو الخارج بتسلسل مثالي. يشير تباعدها إلى أن تكوين الغبار يزداد كثافةً كلما وصل نجما وولف-رايت إلى أقرب نقطة في مدارهما. كشفت بيانات ويب أيضًا عن درجة حرارة الغبار وتركيبه وبنيته، مؤكدة أنه يتكون في معظمه من الكربون غير المتبلور. في النهاية، ستنفجر نجوم وولف-رايت على شكل مستعرات عظمى، ناقلةً محتوياتها بسرعة إلى الفضاء. وقد يصدر أي منهما انفجارًا لأشعة غاما، وهو أحد أقوى الأحداث في الكون، قبل أن يتحول إلى ثقب أسود.

المراجع

doi.org/10.1093/mnras/stw619
doi.org/10.1093/mnras/stx1496
science.nasa.gov

Cover photo credits: NASA, ESA, CSA, STScI, Y. Han (Caltech), R. White (Macquarie University), A. Pagan (STScI), CC BY 4.0, via Wikimedia Commons

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية