يُعد نهر النيل أطول أنهار العالم، وأنه نهرًا دوليًّا لأنه يغطي إحدى عشرة دولة؛ ولذلك لقب بأبي الأنهار الإفريقية. يبدأ نهر النيل في بوروندي، ويتدفق شمالًا عبر شمال إفريقيا ليصب أخيرًا في البحر المتوسط. وعلى الرغم من أن 22٪ فقط من مجرى النيل يمر بمصر، فإنه يرتبط بها بشكل عام. فنهر النيل المصدر الرئيسي للمياه فيها، وهو السبب وراء حضارة هائلة ومثيرة للإعجاب نشأت في مصر القديمة؛ ولذلك وصف المؤرخ الإغريقي هيرودوت (هيرودوتس)، مصر في كتابه «تاريخ هيرودوتس» بأنها «هبة النيل».
النيل مفتاح الحياة
تؤثر جغرافية أي مكان في حياة الإنسان الكائن بها؛ فهي لا تحدد سكانها فحسب، بل تؤثر أيضًا في نمط حياتهم وهم يتكيفون مع المناخ. وهذه الحقيقة ليست بعيدة عن مصر؛ إذ تأثر سكان البلدة القديمة بموقعها الجغرافي الفريد على مر العصور. فمصر تتمتع بوفرة المناطق البيئية التي تدعم مختلف الحيوانات والنباتات. وتنقسم تضاريس مصر إلى أربع مناطق طبيعية، وهي: وادي النيل والدلتا، والصحراء الغربية، والصحراء الشرقية، وشبه جزيرة سيناء.
يُعد نهر النيل شريان الحياة في مصر، مما يجعله أهم ميزة جغرافية بها. فعلى الرغم من أن مصر تقع في صحراء شمال إفريقيا القاحلة للغاية وذات درجة الحرارة شديدة الارتفاع، فإنها تتمتع بموقع مميز على ضفاف نهر النيل؛ نشأ عنه وادٍ أخضر خصب في قلب الصحراء. وكذلك يُعد تنوع مناخ حوض النيل إحدى خصائصه المميزة؛ فمناخ الأجزاء الجنوبية حار وجاف، في حين تشهد الأجزاء الشمالية درجات حرارة معتدلة.
ودلتا النيل منطقة بيئية خصبة جدًّا ومناسبة للزراعة. فهي موطن لمجموعة كبيرة من الموائل التي تضم عديدًا من فصائل الحيوانات، مثل: الطيور، والسلاحف، والسمامير المعروفة أيضًا بالنُموس المصرية، والتماسيح؛ كما تنمو بها نباتات فريدة، مثل: اللوتس المصري، وورق البردي، على سبيل المثال لا الحصر.
أم الدنيا
نشأت على ضفاف الأنهار الكبرى حول العالم دول عظيمة؛ ولا سيما مصر، التي بفضل مياه نهر النيل استطاع المصريون القدماء الاستقرار في واديها. فإلى جانب دور نهر النيل في تلبية حاجة المصريين القدماء من مياه الشرب، كان أحد مصادر الترفيه الرئيسية لهم؛ إذ كانوا يسبحون ويصطادون فيه ويبحرون عبره.
وفي وسط مصر، مَكَّن نهر النيل المزارعين من زراعة محصولاتهم؛ وذلك بفضل فيضان النيل السنوي الذي جلب الطمي الأسود الغني إلى ضفتيه. وسهل نهر النيل أيضًا عمليتي الري والملاحة، إلى جانب توفير الأسماك لصيدها، والبوص لصناعة الورق، والطين لصناعة الطوب. فاستطاع المصريون القدماء بكل ذكاء وحكمة استغلال النيل وهباته؛ فحولوا أرضهم الخصبة إلى حضارة مزدهرة عرفها العالم أجمع بأنها كانت سابقة لعصرها بكل ما فيها من معرفة وتقنيات.
وهو ما عبرت عنه الأدوات والأشياء التي عثر عليها علماء الآثار لتعكس لنا عمليات تفكير المصريين القدماء وأنشطتهم الجسدية. فعرفنا أنهم اكتشفوا وابتكروا عديدًا من الأشياء مثل صناعة الورق من نبات البردي، وبناء أهرامات الجيزة على ضفاف النيل لإيواء أجساد الفراعنة التي لا تزال محفوظة اليوم بفضل مناخ مصر الجاف؛ وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
نعمة أم نقمة؟
نشأت حول نهر النيل إحدى أقدم حضارات العالم نحو عام 3000 قبل الميلاد، وازدهرت مصر الفرعونية لنحو 3000 عام إلى أن سيطر عليها الاحتلال الأجنبي لفترات قصيرة متتالية. فتتابعت على مصر حضارات وإمبراطوريات عديدة لموقعها الفريد في منتصف الطريق بين إفريقيا وآسيا، ولنهر النيل أيضًا؛ لثرائه، ولأنه طريق سهل للتجارة والاتصالات بين مصر والعالم. ونتيجة لذلك، استمرت حضارة مصر القديمة إلى أن غزا الرومان مصر، وصارت جزءًا من الإمبراطورية الرومانية عام 30 قبل الميلاد.
وعلى الرغم من انهيار الحضارة المصرية القديمة في نهاية المطاف، استمرت مياه النيل في التدفق. ومع ظهور الاستعمار الحديث، كانت مصر تُعد دولة إفريقية، لا فرعونية ولا عربية؛ وذلك نظرًا لأهمية موقعها الجغرافي. فتمكن البريطانيون الذين تمتعوا بقوة استعمارية من فرض سيطرتهم على مصر عام 1882، واتبعوا فيها سياسة لم تكن في صالح البلاد؛ فخططوا السيطرة على منابع النيل لخنق مصر وعزلها عن السودان. ولتحقيق هذا الهدف، استفاد البريطانيون من التقدم التكنولوجي في ذلك الوقت؛ فأنشأوا سدودًا وغيرها من المشروعات المائية في السودان ليبدأ صراع حول اﻟﺤﺼﺔ المائية لدول حوض النيل.
وبالرغم من رفع بريطانيا سيطرتها عن مصر في منتصف القرن العشرين، استمر الصراع؛ مما دفع هذه الدول إلى توقيع عدد من المعاهدات للتحكم في حقوق استخدام مياه النيل. وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك مؤثرات أخرى أدت إلى قلة توافر المياه في مصر ومنها الزيادة السكانية، والتنمية الاقتصادية السريعة، والتلوث، والتدهور البيئي.
حيطة أم حكمة؟
بُنيت في القرن العشرين سدود عديدة جنوبي مصر، في محاولة للتحكم في الفيضان السنوي لنهر النيل ولتخزين ما يكفي من المياه في خزاناتها؛ وهذه السدود تشمل بالطبع أشهر سدود أسوان المعروف باسم «السد العالي». إلا أن هذه السدود أدت إلى قلة تراكم الرواسب الفيضانية؛ مما أدى إلى انخفاض حاد في خصوبة الأراضي.
وهذا الذي دفع المزارعين المصريين إلى اختيار الأسمدة لتعويض هذا التغيير ويتمكنوا من زراعة محاصيلهم؛ ولكنه يجعلها ذات تكلفة أعلى. كذلك انخفضت أعداد الأسماك قبالة دلتا النيل بشكل كبير بسبب فقدان الطمي المحمل بالمغذيات. ومن ناحية أخرى، يرى مؤيدو السدود أن هذه التأثيرات الضارة تستحق العناء لتأمين إمدادات المياه والطاقة. ولكن السدود ليست وحدها السبب الرئيسي الذي يهدد دلتا النيل وسكانها؛ فقد حذر خبراء المناخ أن المنطقة يهددها أيضًا خطر «ارتفاع مستوى سطح البحر المتوسط» نتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري التي تسبب فيها الإنسان أيضًا. فيتوقع الخبراء أن تواجه مدن الإسكندرية ورشيد وبورسعيد على الأخص، تأثيرات بيئية خطيرة؛ ومن ثم، نحتاج إلى مزيد من الجهود في سبيل الحفاظ على البيئة، وخاصة بدلتا النيل، لدرء مثل هذه الأخطار الوشيكة.
رؤية مصر 2030
تعمل الحكومة المصرية جاهدة من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال «استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030». فهي استراتيجية مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة؛ إذ تربط الحاضر بالمستقبل، كما أنها تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، وتتبع إطارها العام في توفير حياة لائقة وكريمة. تتبنى الاستراتيجية مفهوم التنمية المستدامة بوصفه إطارًا عامًّا، ويرتكز مفهوم التنمية على ثلاثة أبعاد رئيسية تشمل البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي.
ولأننا مهتمون في هذا السياق بأحد هذه الأبعاد، وهو البعد البيئي، تجدر الإشارة هنا إلى أن البعد البيئي في الاستراتيجية صار شموليًّا أكثر من ذي قبل. فبدلًا من معالجة تلوث الأنظمة البيئية فقط، يتناول هذا البعد العناصر الرئيسية لإدارة الموارد الطبيعية، والأنظمة البيئية، والتنوع البيولوجي. ولأن ندرة المياه تمثل تحديًا رئيسيًّا أمام الزيادة السكانية للمصريين، بالإضافة إلى استهلاك ما يقرب من ثلثي المياه العذبة في الزراعة، أصبح تأمين مصدر مستدام للمياه وإدارته بصورة صحيحة ذا أولوية عالية بجدول أعمال الحكومة المصرية لعام 2030.
التاريخ يعيد نفسه
إن تحقيق استدامة نهر النيل يستلزم بالضرورة إعادة ازدهار حضارة قديمة ولا سيما بهاؤها؛ فنهر النيل لم يكن للمصريين القدماء مصدرًا دائمًا للمياه، بل كان بالأحرى مصدرًا للحياة.
وهذا المفهوم انعكس في معتقداتهم لما بعد الحياة؛ كما جاء في «كتاب الموتى» الذي حاول وصف ما تلاقيه أرواح الموتى في العالم الآخر لتكون دليلًا لهم في رحلتهم. فعلى المتوفَّى إعلان براءته أمام الآلهة فيما يعرف باسم «الاعتراف بالنفي» الذي يعترف فيه قائلًا «لم أحرم الماشية من عشبها. لم أصنع الفخاخ للعصافير. لم أصطد الأسماك من بحيراتها. لم أمنع المياه في موسمها. لم أقم عائقًا أمام الماء الجاري».
لقد فهم أسلافنا القدماء طبيعة نهر النيل وأهميته وكيفية الحفاظ عليه، إلا أننا بدأنا للتو إدراكها بعد قرون عديدة؛ فكانت استراتيجية التنمية المستدامة هي المؤشر الذي أدركنا به هذه الحقيقة.
اقرأ أيضًا في مجلة كوكب العلم
إحصاءات غذائية وزراعية مصرية
النظم البيئية في مصر: التحديات والفرص
أزمة الطاقة الكهرومائية في حوض النيل
قرارات العام الجديد بعد الثورة
الاحتباس الحراري، دلتا النيل في خطر
حقيقة المياه على أرض النيل (2)
المراجع
Bakenaz A. Zedan, Water Conflicts in the Nile River Basin and Impacts on Egypt’s Water Resources Management and Road Map, 2013.
H. Hassan and A. Al Rasheedy, The Nile River and Egyptian Foreign Policy Interests, 2007.
adventure.howstuffworks.com
britannica.com
britishmuseum.org
cabinet.gov.eg
english-online.at
petroleum.gov.eg
sdsegypt2030.com
sustainabledevelopment.un.org
worldatlas.com
worldatlas.com/articles
Cover photo by Freepik