الأخبار  

 
  أبريل ٢٠٠٤  

مقالة مجلة روز اليوسف حول وثيقة الإسكندرية

نشرت مجلة "روز اليوسف" بتاريخ ١٠/٤/٢٠٠٤ مقالا للصحفي الأستاذ عبد الله كمال حول "وثيقة الإسكندرية" جاء فيه :

دعنا نتخطى مسألة أن عديدًا من التعليقات الداخلية حول الوثيقة تكشف أن أصحابها – أي التعليقات – لم يقرأوها من الأصل، بل ربما لم يطالعوا المبادرات الأجنبية.

إن هذا هوعيب ثقافة المانشيتات أوبناء الوعي على أساس "السمع"، وهوجزء من ظاهرة أصيلة ومنتشرة "للفهلوة" التي لا أظن أنه سوف يكون لها وجود ملموس حين يسود الإصلاح، ولعل ذلك سر خشية البعض من أن يكشفوا أويماط اللثام عن هشاشتهم، وعما نترفع من أن نصفه بأنه جهل كامل.

دعنا من تلك المسألة، ولنتوقف أمام الملاحظات التي سجلت والجديرة موضوعياًّ بالنقاش ذلك أن أهم عوامل تقوية الوثيقة، إضافة لما فيها من قوة، هوأن تستطيع الصمود أمام جدل جاد وانتقاد محدد مبني على أسس، ومن تلك الملاحظات ما يلي:

مثلا، القول بأنه "من الذي أعطى هؤلاء الحق في أن يقترحوا وثيقة للإصلاح"، وهؤلاء يقصد بهم الـ ١٥٠ عربيًا الذين حضروا المؤتمر وناقشوا الأفكار وصاغوها ثم أعلنوها.

وإذا ما نحينا جانبًا ما هومعروف من صراعات المثقفين، وغيرة البعض من البعض، وإصرار البعض على أن يرفض لمجرد الرفض ما لم يدع إلى المشاركة فيه، لأنه يتصور أن ذلك تجاهل لما يعتقد أنه قدراته، فإننا نقول إن للمجتمع المدني "شرعية" لا تولد بتفويض ولا تأتي عبر صندوق الانتخاب.

هذه الشرعية تنبع من استقلاليته، ومن تنوعه، ومن تعبيره عن اتجاهات مختلفة، ومن عدم ادعائه احتكار الحقيقة، ومن قبوله مبدأ المشاركة ومن خلال طرحه لما يقول أمام النقاش العام قابلا التصويب وساعيًا لتكوين شبكة تؤيد رؤاه.

فضلا عن أن أهم أسس تلك الشرعية هوأن المجتمع المدني "شريك" أساسي لا يجب أن ينتظر دعوة من أحد، وإنما تفرض عليه ضرورات الواقع واجباته.

ويقال مثلا، أيضًا، إن المكتبة مؤسسة حكومية قامت بعقد المؤتمر بناءً على توجيه سياسي.

وهوقول يجافي الحقيقة لأن مكتبة الإسكندرية "شخصية اعتبارية" بحكم القانون، وهي "منارة ثقافية إنسانية" دولية قبل أن تكون مصرية، لا هي تابعة لوزارة ولا هي ملحق بأي مصلحة، ثم إنها حين دعت إلى المؤتمر كان ذلك بناءً على مبادرات من مؤسسات غير حكومية هي " المنظمة العربية لحقوق الإنسان" و"منتدى البحوث الاقتصادية" و"المجلس العربي للمرأة" و"الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا"، وكل من شارك في المؤتمر جاء بصفته الشخصية.

ثم إن البعض يتحدث عن أن هذا كان مؤتمرًا رسمياًّ، بدليل أن الرئيس مبارك ألقى خطابًا في المؤتمر!

والواقع أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس مثل دعمًا لا نهائياًّ لرؤى الإصلاح وقد ألقى به قبل انعقاد المؤتمر وليس "فيه" تعبيرًا عن المشاركة المطلوبة بين الدولة كقطاع رسمي والمجتمع المدني كقطاع أهلي. وهل في هذا عيب. أنا شخصياًّ أراه ميزة، خاصة أن الوثيقة والمناقشات التي سبقتها في جلسات صاخبة وحادة تجاوزت كل توقع ولم تضع لنفسها أي خط أحمر أوأخضر.

ويقول البعض إن الوثيقة لم تقترح آليات للتطبيق، وشملت أفكارًا مكتوبة في مؤلفات السياسة.

وهذا كذلك قول مردود عليه، ذلك أنه ليس من دور الوثيقة – على الأقل في هذه المرحلة – أن تقترح آليات، فهي ليست برنامجًا حكومياًّ، وإنما إرساء لأسس ومبادئ معروفة بالطبع في مؤلفات السياسة، لكن المؤلفات نظرية ومكانها أرفف المكتبات، وهي ابنة أفكار أفراد. أما هذه الوثيقة فهي عمل جماعي ابن بيئته العربية، لا يقف عند الحدود النظرية ويعبر بشمولية عن الخطوط العريضة للرغبات العربية العامة من المحيط إلى الخليج.

ويعجب فريق من الناس من هذا التلاقي بين الأفكار الواردة في الوثيقة مع بعض أفكار مبادرات الخارج، وبالتالي يرون على أساس ذلك أنها إعادة صياغة عربية للأفكار الأمريكية والأوروبية.

وهذا بدوره قول مغلوط. لماذا؟ لأن الأفكار الإصلاحية العامة لا خلاف عليها في أي مكان. من يمكن أن يطالب بالإصلاح دون أن يؤكد على مبدأ تداول السلطة، أوإصلاح الدساتير، أونزاهة الانتخابات، وهل القول بهذا هوأمر مقصور على الأمريكيين، أم أن تلك هي المطالبات العربية منذ زمن بعيد؟

يحضرنا في هذا قول بعض المثقفين العرب إن الولايات المتحدة قد مارست سطوًا على خطاب الإصلاح العربي حين تبنت أفكارًا ورؤى يطالب بها الكافة في كل مكان، ولعل الكثيرين لا يتجاهلون أن هذه الأفكار الواردة في الوثيقة تعود أيضًا إلى ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربي، ولعلهم لا يتغافلون عن أن الوثيقة اختلفت مع الأفكار الغربية في عدة نقاط:

  • إن الإصلاح مطلب شعبي عام نابع من المجتمعات العربية.
  • إن لكل دولة أن تختار الطريقة التي تتوافق معها.
  • إن هناك إصرارًا على إتمام التسوية في فلسطين والاستقرار في العراق.

إن ذلك ليس دفاعًا عن وثيقة الإسكندرية، فهي تتضمن من عوامل القوة والثبات ما يؤهلها لأن تدافع عن نفسها، وبإرادة من وضعوها ومن سوف ينضمون إليهم بالتأكيد خلال الفترة المقبلة. فهي صارت وثيقة جاذبة تقتضي إقامة تحالف عام يساندها ويدعمها.

والدفاع الأهم والأكثر جدية ليس هوالإشادة بها في المقالات، وإنما تحويلها إلى ثقافة عامة، فقد أثبتت الأحداث أن الحكومات ليست هي وحدها الجديرة بالإصلاح، وأن القطاعات العريضة من الشعوب التي تعاني من الفقر ليست هي فقط التي يجب أن يزداد وعيها الديمقراطي، وإنما الأهم هوأن فئات مختلفة من النخب التي تطالب بالإصلاح هي نفسها في حاجة إلى إصلاح لكي تدرك ما هي خطورة المرحلة التي تمر بها، وكيف أنها في حاجة إلى الترفع عن الصغائر والسموعن هواجس بالية، وابتكار حلول وشعارات مختلفة وعصرية.

وبالتالي فإنه إذا كان عدد من صناع الوثيقة قد اهتم بأن يروج لها خارجياًّ باعتبارها خطابًا عربياًّ نابعًا من المجتمع المدني، بأسلوب علمي وبوعي عصري، يثبت أننا لسنا في حاجة إلى أن تفرض علىنا مبادرات من عواصم بعيدة، فإن الواجب كذلك هوترويج الوثيقة داخلياًّ وفي المجتمعات العربية، حيث تلقى أفكارها الطموحة مقاومات متنوعة ربما أقوى من تلك المقاومة التي أبداها البعض ضد أفكار الخارج.

شخصياًّ، أجد في ختام هذه الملحوظة العامة حول الوثيقة ضرورة تركيز الانتباه على عدة نقاط، لا شك أنها سوف تساهم في تحديد مصيرها:

١- كما أن الوثيقة قد حققت فائدة إستراتيجية لقطاعات متنوعة وكبيرة في العالم العربي، فإنها بلا شك أضارت كثيرًا اتجاهات أيديولوجية محددة، خاصة تلك التي تتبنى مقولات الإسلام السياسي، ذلك أن لغة الوثيقة ومنهجها جاءا في العموم وبمرادفات عصرية، لا تعبث بالشعارات والعواطف، وحرصت على التزام أسلوب غير خالط للدين مع السياسة، رغم تأكيدها على احترام الثوابت الثقافية، لا شك أن هذا يؤثر سلبًا في الأسس التي يبني عليها ذلك التيار تواجده.

٢- حظيت الوثيقة بدفعة قوية حين خرجت من مصر، ومن منارة مصرية، وكانت تلك دلالة جديدة على قدرة مصر على قيادة التحول الإقليمي في اتجاه النهضة، وهذا أيضًا أضار عددًا من العواصم العربية التي رأت في نفسها أنها الأسرع والأكثر قبولا غربياًّ "راجع خطابات رسمية عربية تم إلقاؤها في الأسبوع الماضي".

٣- صدور الوثيقة بمضمونها القوي أدى بالطبع إلى سحب البساط من تحت أقدام تيارات أمريكية، وغيرها، كانت تدفع في اتجاه أن دول المنطقة يجب أن تلقن دروس الإصلاح قوة وقسرًا وأنها لا تريد أن تستجيب لبرامج عصرية وإنما يجب أن تفرض عليها، كما حدث في العراق أوقريب منه.

وربما لا يدري من يهاجمون الوثيقة أنهم إنما يخدمون أولئك.

عدد المشاركين في المؤتمر ١٦٤ مشاركًا

 
 
 
منتدى الإصلاح العربي - حقوق الطبع محفوظة ٢٠٠٤ ©