المقالات

ترقيع العظام

شارك

تقدمت التكنولوجيا  بشكلٍ كبير لتحتل مكانها في جميع مناحي الحياة، والطب أحد المجالات التي تقدمت بوثبات كبيرة. فلم تعد العمليات الجراحية كما كانت في الماضي وهذه أنباء سعيدة لنا؛ حيث لم نعد مضطرين إلى الاعتماد على شخص يمسك بنا بقوة أثناء خضوعنا لعملية جراحية. وقد أصبحت العمليات الآن دقيقة، سواءٌ كانت تجرى بغرض الاختبار لمعرفة ما يصيب جسم الإنسان أو استهداف مشكلة صحية معينة في الجسم وحلها.

إصابات العظام من المشكلات التي كانت تمثل تحديًا للأطباء؛ فظهرت تقنية ترقيع العظام لتحدث ثورة عظيمة في علاج العظام. الترقيع طريقة مستخدمة في علم البساتين تقوم بربط نوعين مختلفين من النباتات من خلال الأنسجة، وهكذا يستمران في النمو كنبتة واحدة. هذه هي نفس الفكرة التي تعمل بها تقنية ترقيع العظام؛ حيث تهدف إلى زراعة نسيج عظمي في المنطقة المصابة. وقد ساعدت هذه الطريقة عديدًا من الناس على الشفاء التام، إذ كانوا سيقضون بقية حياتهم في معاناة لولاها.

تستطيع تقنية ترقيع العظام أن تواجه مشكلات عديدة، مثل كسور العظام، وتلف المفاصل، والعظام التي تعاني من الصدمات ولم تشفَ بصورة صحيحة، والعظام المفقودة نتيجة للعدوى أو المرض. كذلك فهي تقدم دعمًا أفضل حول الأجهزة المزروعة بجوار العظام النامية. وفي حالة نجاح العلاج يتمتع المرضى بعظام تم إعادة إنتاجها كليًّا ودمجها مع المنطقة المحيطة.

كثير من رموز تقويم العظام تظهر شجرة منحنية تقويها دعامة، وهذا يرمز إلى قدرة العظام على إعادة تكوين نفسها. ولكنها تحتاج إلى بعض المساعدة حتى تتمكن من فعل ذلك؛ حيث يحتاج التئام العظام إلى بعض الإرشاد وتقوم تقنية الترقيع بهذا الدور.

ليست جميع الترقيعات المزروعة متماثلة؛ فهناك ثلاثة أنواع مختلفة من رقعات العظام: الرقعة المستقلة وهي تلك التي تؤخذ من جسم نفس الشخص، والرقعة المزروعة وهي تلك التي تؤخذ من جسم متبرع، والرقعة الاصطناعية وهي تلك التي تُصنَّع معمليًّا. وبعد زراعة الرقعات العظمية، يتم امتصاصها مرة أخرى في الجسم بحيث تصبح الرقعة جزءًا لا يتجزأ من العظم. أحيانًا يرفض الجسم الرقعة المزروعة؛ فيؤدي إلى حدوث انتكاسات. فمثلها مثل أية عمليات زرع أخرى لا نستطيع أن نضمن بشكلٍ كامل أن الجسم سيقبلها. ولكن، لهذه العملية بالفعل نسب نجاح مرتفعة، وتظهر الإحصائيات أن عدد إجرائها في تزايد، وهذا ما يجعلها خيارًا فعالًا للعلاج. ولهذا السبب يستثمر الباحثون الطبيون الوقت والجهد لإيجاد طرق لتحسين تقنية ترقيع العظام.

فهناك تعاون بين الباحثين بالجامعات الأمريكية والصينية لتطوير مواد جديدة لترقيع العظام. الشيء المبتكر في بحوثهم هو المادة الأصلية التي يستخدمونها لتصنيع الرقعات الاصطناعية؛ حيث يجرون الأبحاث حول إمكانية استخدام العمود الفقري لقنفذ البحر لتصنيعها؛ وذلك لأنها تتمتع ببنية شبيهة بدرجة كبيرة لعظام البشر. وقد بدأ الباحثون في دراسة قنافذ البحر محاولين العثور على بديل للمادة الاصطناعية المعروفة بالهيدروكسيباتيت التي تسببت في مشكلات في عمليات زراعة العظام؛ وذلك لأنها هشة وضعيفة وقد تؤدي أحيانًا إلى حدوث التهاب عند إزالتها.

يقود البحث لاي كاو من الأكاديمية الصينية للعلوم في بكين. وقد أراد أن يصنع سقالة أقوى باستخدام العمود الفقري لقنفذ البحر؛ فاستخدم تفاعلًا حراريًّا-مائيًّا لتحويله إلى دعامات قابلة للتحلل. سمح هذا للعمود الفقري بالاحتفاظ بشكله وأن يعمل بمثابة دعامة أكثر فعالية لأغراض ترقيع العظام. بعد تطوير هذه الدعامة الهجينة، اختبرها الفريق على الأرانب التي كانت تعاني من تلف عظام الفخذ. فأجريت للأرانب عمليات زراعة باستخدام رقعة عظمية مصنوعة حديثًا من العمود الفقري لقنفذ البحر، وكانت النتائج باهرة مثلما تشير الدراسة: «نمت العظمة الجديدة بعد شهر. وبعد مرور ثلاثة أشهر، كانت عظمة الأرنب والدعامة قد توحدتا معًا بشكلٍ جيد. وبعد مرور سبعة أشهر، كانت الدعامة قد تحللت تمامًا وحلَّ محلها عظمة الأرنب».

يبشر نجاح هذه الدراسة البحثية بالخير لمستقبل ترقيع العظام. وما دام الباحثون مستمرين في البحث عن المادة خفيفة الوزن المناسبة لإصلاح العظام تكون الاحتمالات غير محدودة.

*المقال منشور في مجلة كوكب العلم المطبوعة، عدد صيف 2017.

لمراجع

healthline.com
jhunewsletter.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية