المقالات

كيمياء الصيف

شارك

تذكرنا جميعًا كلمة "الصيف" بأشياء محددة؛ وهي الشاطئ، والشمس، والمرح. فعندما كنت طفلة، كنت أنتظر الصيف؛ لأجمع ألعاب الشاطئ، وآخذ عوامتي، وأذهب إلى الشاطئ؛ لأبني القلاع الرملية، وأسبح حتى مغيب الشمس. حينها لم أكن أعبأ قط بالشمس أو باسمرار بشرتي جرَّاء التعرض لأشعتها. أما الآن وقد وأصبحت شابة يافعة، تنتابني الهواجس حول تأثير أشعة الشمس على بشرتي على الرغم من ولعي باكتساب بشرتي اللون الأسمر.

فمنذ بدأت أعمل بتوصيل العلوم، تغيرت طريقة تفكيري وازداد فضولي لمعرفة الكيمياء وراء كل شيء استخدمه. ولذلك، وبينما نقترب من فصل الصيف، أجد نفسي منجذبة إلى البحث عن معلومات مفيدة حول شمس الصيف، وأضرارها، وكيفية النجاة منها؛ حتى يتسنى لنا الاستمتاع بها محافظين على صحتنا في الوقت ذاته، وهأنا أشارككم هذه المعلومات.

الجانب السلبي ليومٍ مشمس

الاستمتاع بأشعة الشمس هو أحد أكثر الأمور متعةً في الحياة؛ فلا يقوم يوم مشمس دافئ بالرفع من معنوياتنا فحسب، بل يمدنا بمحيط نموذجي للقيام بالعديد من الأنشطة مثل الرياضات الخلوية، والتجول سيرًا، والاعتناء بالحدائق، والتنزه، وغيرها. كما يمكن لضوء الشمس أن يمد بمنافع علاجية ونفسية للمصابين بمرض الربو، والتهابات المفاصل، وبعض الأمراض الجلدية؛ فمن شأنه التخفيف من مشقة تلك الحالات. وعلى صعيدٍ آخر، يتمدد محبو الشمس على الشواطئ وحمامات السباحة لساعات سعيًا وراء إكساب بشرتهم اللون الأسمر الذي يعتقدون أنه يمثل الشباب والقوة والجاذبية؛ ولكن هل الأمر كذلك؟

يحدث كل من الاسمرار والحروق الشمسية نتيجة الأشعة فوق البنفسجية (UV) غير المرئية التي تطلقها الشمس بمصاحبة أشعة الضوء المرئية. وتمثل الإشعاعات فوق البنفسجية 6% من إشعاعات الشمس التي تصل إلى الأرض؛ والتي تنقسم بدورها إلى 48% أشعة ضوئية مرئية و46% أشعة تحت حمراء. ويكون التعرض للحروق الشمسية أسهل وأشد قسوة في يوم حار؛ نظرًا لأن الحرارة تزيد من تأثير الإشعاعات فوق البنفسجية، كما يسهل ذلك أيضًا عند الارتفاعات الشاهقة؛ حيث يقل الغلاف الجوي الذي يحجب الأشعة فوق البنفسجية.

قد تعتقد وأنت على الشاطئ أن جلوسك تحت شمسية يكفي لحمايتك. لا تنخدع؛ فشماسي الشاطئ لا توفر الحماية الكاملة؛ حيث ترتد الأشعة فوق البنفسجية من الرمال، والمياه، والأسطح إلى الأشخاص الجالسين تحت الشماسي. وفي الحقيقة، يقوم البعض لمعرفتهم بقدرة الأسطح اللامعة على عكس أشعة الشمس في استخدامها لزيادة تعرضهم للشمس ومن ثم الحصول على بشرة أكثر اسمرارًا. إلا أن تلك الممارسات خطيرة؛ لأن المناطق الحساسة مثل الجفون، والأذنين، ومنطقة أسفل الذقن قد تعاني من حروق شديدة.

علاوة على ذلك، فغالبية الناس لا يضعون في اعتبارهم مخاطر التعرض للحروق الشمسية في يوم تشوبه السحب أو يوم ملبد بالغيوم؛ حيث لا تكون الشمس ساطعة بقوة، إلا أنه بإمكان ما يقرب من 80% من الأشعة فوق البنفسجية أن تخترق السحب. والأمر الذي يدعو إلى السخرية هو أن ملوثات الجو مثل الأتربة، والأدخنة، والأوساخ تسهم عن طريق امتصاص هذه الأشعة الضارة في حماية جزئية ضد مخاطر الإصابة بالحروق الشمسية.

وبينما يستمر العلماء في اكتشاف المزيد عن كيفية تأثير التعرض للشمس على البشرة، تتجلى الآثار الوخيمة للتعرض للأشعة فوق البنفسجية، والتي تفوق الإحساس بالانزعاج والإحراج جرَّاء الحروق الشمسية، تجليًّا أليمًا. فعلاقتها بسرطان الجلد، والشيخوخة المبكرة، وتدهور البشرة لا يمكن نفيها؛ وبالتالي، يدرك المزيد من الناس أهمية حماية أنفسهم من كلٍّ من أشعة الشمس فوق البنفسجية طويلة الموجة UVA ومتوسطة الموجة UVB. السؤال هو: ما الفرق بين هذين النوعين؟

من المعروف منذ وقت طويل أن الأشعة فوق البنفسجية متوسطة الموجة UVB، وكثيرًا ما يطلق عليها "أشعة الاسمرار"، لها دور في الإصابة بكلٍّ من الحروق الشمسية وسرطان الجلد. ولقد اكتسبت هذه الكنية؛ نتيجة لقدرتها على تحفيز إنتاج الأصباغ البنية، أو الميلانين، عن طريق تحفيز الخلايا الميلانية؛ حيث يحدث كل ذلك في إطار حماية الجلد من الإشعاعات فوق البنفسجية.

إلا أن الأشعة فوق البنفسجية متوسطة الموجة UVB لها آثار جانبية غير مرغوب فيها؛ فهي مسئولة جزئيًّا عن الإصابة بأنواع سرطان الجلد الثلاثة الرئيسية: سرطان الخلايا القاعدية، وسرطان الخلايا الحرشفية، وسرطان خلايا الميلانوما الصبغية. ومع ذلك، فعلى الرغم من تأثيراتها الخطيرة، فهذه الأشعة لا تستطيع إلا اختراق طبقة الوشاح النسيجي الخارجية السميكة من الجلد، أو البشرة، والتي تحوي القليل بجانب خلايا الجلد.

وعلى عكس الأشعة فوق البنفسجية متوسطة الموجة UVB، فإن موجة الأشعة فوق البنفسجية طويلة الموجة UVA أكثر طولاً وقوة، ولها قدرة على اختراق طبقة البشرة الخارجية وصولاً إلى طبقة الأدمة التي تحتوي على كل "الأشياء الجيدة"؛ بما في ذلك بروتين الكولاجين، وبروتين الإيلاستين، والأوعية الدموية، وجميعها مسئول عن إظهار تقدم السن أو إخفائه.

تعمل الأشعة فوق البنفسجية طويلة الموجة UVA على تقدم عمر البشرة عن طريق تدمير طبقة الأدمة الداخلية بتحجيم كمية الكولاجين والإيلاستين، والإضرار بالأوعية الدموية. ومن ثم، عوضًا عن التمتع ببشرة نضرة، فإن هؤلاء الذين يعرضون أنفسهم لهذه الأشعة لفترات ممتدة دون حماية يعانون من ظهور التجاعيد والبقع المقترنة بتقدم العمر، كما يأخذ نسيج بشرتهم مظهرًا جلديًّا. ويُنصح باتخاذ التدابير الاحترازية من الأشعة فوق البنفسجية طويلة الموجة UVA ذات التأثيرات الجانبية غير الجمالية، كما أظهرت الدراسات وجود علاقة بين التعرض لهذه الأشعة وبين الإصابة بسرطان الجلد.

تمتّع بالشمس في أمان

هناك العديد من الأشياء البسيطة التي يمكنك فعلها لتتجنب التأثيرات السلبية للأشعة فوق البنفسجية. أولها، واظب على استخدام مستحضرات واقية من أشعة الشمس بشكل يومي، واستخدم نوعًا مناسبًا للأنشطة التي تزاولها. وتذكر أنه من شأن الأشعة فوق البنفسجية أن تضرك بغض النظر عن كمية السحب الموجودة، بل وأنها قادرة على اختراق معظم الملابس، والنوافذ، وحاجبات الرياح. ومن هنا، فمن الضروري أن تحمي نفسك منها باستخدام مستحضر واقٍ من الشمس واسع المدى، وارتداء ملابس واقية كل يوم، وليس عندما تنوي قضاء يوم تحت أشعة الشمس فحسب.

وقد أوصت مؤسسة سرطان الجلد بالتزام الظل، وبالأخص في ساعات الذروة الشمسية، أي من العاشرة صباحًا وحتى الرابعة عصرًا؛ لا تدع نفسك تحترق وتجنب ارتياد حجيرات تسمير البشرة الاصطناعية التي تسمح بالتعرض المباشر للأشعة فوق البنفسجية طويلة الموجة UVA الضارة بشكل خاص. والأهم من ذلك، استعن بتقديرك الشخصي حول القدر الكافي من التعرض للشمس. علاوة على ذلك، توصي الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية باستخدام مستحضر واقٍ ذي عامل حماية من الشمس (SPF) 15 أو أعلى قبيل قضاء فترة طويلة في ضوء الشمس بمدة تتراوح بين 15 إلى 30 دقيقة، على أن يتم إعادة دهانه كل ساعتين.

وهناك العديد من الخيارات المتعلقة بالمستحضرات الواقية من أشعة الشمس المناسبة للحماية من الحروق الشمسية وغيرها من الأضرار الناجمة عن التعرض للشمس في مواقف محددة. من المهم أولاً معرفة أن استخدام أي نوع من المستحضرات الواقية أفضل من عدم استخدام أيها على الإطلاق، ومن المهم أيضًا معرفة أنه ليس هناك أي مستحضر قادر على الحماية من جميع الأشعة فوق البنفسجية. فلا تختر أحد الأنواع معتقدًا أنه سيمنحك ساعات غير محدودة من المتعة الآمنة تحت أشعة الشمس؛ فتلك المستحضرات توفر حماية جيدة خلال الصيف، ولكنها ليست حماية كاملة.

المستحضرات الماصّة للأشعة والمستحضرات الصادّة للأشعة

يخلط الكثير من الناس بين نوعين من المستحضرات الواقية من الشمس، وهي الماصّة والصادّة للأشعة، على أنها منتجات واحدة، ولكن ذلك ليس صحيحًا. أما المستحضرات الماصّة للأشعة (sunscreen) فهي مسئولة عن امتصاص أشعة الشمس؛ لكي لا تصل إلى البشرة، وأما الصّادة للأشعة (sunblock) فتستخدم؛ لصّد الأشعة فوق البنفسجية فعليًّا.

والمستحضرات الماصّة، من ناحية، عبارة عن كريمات سائبة للغاية لونها أبيض خالص وغير شفافة. وعلى الرغم من أن هذه المستحضرات تحمي من كلٍّ من أشعة UVA وUVB، فإنها تتحلل بفعل الشمس، ولذلك يجب إعادة استخدامها كل بضع ساعات؛ لتحظى بحماية كاملة لبشرتك. والمستحضرات الصادّة، من ناحية أخرى، تصبح غير مرئية بمجرد دهانها بطريقة صحيحة، وهي تعمل على صد معظم أشعة الشمس فوق البنفسجية بنوعيها، وعلى عكس المستحضرات الماصّة، فالأنواع الصادّة الجيدة لا تتطلب إعادة دهانها كل بضع ساعات.

حسنًا، أيهما يجب عليك استعماله؟ تتوقف إجابة هذا السؤال بأيهما أو كليهما على سِنك وعلى قدر الوقت الذي تقضيه في الشمس، إلا أن إجابة ذلك السؤال لمعظم الناس هي المستحضرات الصادّة لأشعة الشمس.

إن التعرض لأشعة الشمس لمدة تصل إلى 15 دقيقة يوميًّا دون استخدام مستحضر صاد أمر جيد؛ حيث يتمكن الجسم من امتصاص كميات فيتامين "د" اللازمة لصحة عظامنا وأسناننا وقوتها. إلا أن التعرض للشمس لفترات مطولة بدون حماية لبشرتك سيؤدي إلى ظهور التجاعيد والإصابة بالحروق الشمسية والأورام السرطانية. ويقوم معظم الناس باستخدام المستحضرات الصادّة لأشعة الشمس؛ لحماية بشرتهم من أشعتها الضارة. ولكن، جميع أنواع تلك المستحضرات لا تصنّع لتكون بنفس الفعالية، ومن ثم إن لم تُستخدم هذه المستحضرات بطريقة سليمة، فلن تكون فعالة على الإطلاق.

وللأسف، ليس هناك نظام لتقييم مدى جودة المستحضرات الصادّة لأشعة الشمس في حماية البشرة من الأشعة فوق البنفسجية طويلة الموجة؛ ولهذا من المهم جدًّا قراءة قائمة المكونات على العبوة. وتعد المستحضرات الصادّة التي تحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم، وأكسيد الزنك، والأفوبنزون، والأكسيبنزون ذات عامل حماية SPF 30 أو أعلى مستحضرات واسعة المدى وهي الأفضل لحماية البشرة.

وبغض النظر عن نوع المستحضر الماصّ أو الصادّ الذي تختاره، تذكر أن الوقاية المبكرة للبشرة من التلف ستوفر عليك المشاق في المستقبل. فكن ذكيًّا فيما يتعلق بكَمِّ الوقت الذي تقضيه تحت أشعة الشمس، واستخدم الواقيات المناسبة يوميًّا؛ لتنعم ببشرة صحية وجميلة لسنوات آتية.

المصطلحات

*البقع الكبدية: بقع مسطحة يترواح لونها من البني للأسود، وعادة ما تظهر على البشرة في المناطق التي تتعرض للشمس. وليس لها أية علاقة بالكبد أو وظائفه.

المراجع

hair-and-beauty-tips.com
ezinearticles.com
nymiskovic.hubpages.com
healthseakers.com
healthyskinportal.com
healthyskinportal.com
nlm.nih.gov

Cover Image Designed by Freepik

*المقال منشور في نشرة مركز القبة السماوية العلمي، عدد صيف 2012.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية