المقالات

ليز مايتنر وإشكالية جائزة نوبل

شارك

انشطار الذرة – أو الانشطار النووي – هو اكتشاف غيَّر عالمنا، إلا أن قليلين هم من يعلمون أن عالمة فيزياء شاركت في اكتشاف القوة الحقيقية الكامنة في الطاقة النووية. والمفارقة في قصة ليز مايتنر هي أن شريكها في المعمل لثلاثين عامًا – أوتو هان – قد حصل على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1944، في حين تم تجاهلها؛ الأمر الذي أدى إلى «التهميش» الاجتماعي لأبحاثها الفيزيائية واكتشافاتها الهامة.

ولدت مايتنر في النمسا في عام 1878 لأسرة يهودية. في ذلك الوقت لم يُسمح للنساء بالدراسة في مؤسسات التعليم العالي؛ فلجأت للدراسة الخاصة للحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء في عام 1905 بجامعة فيينا، فكانت ثانية امرأتين تقوم بذلك. من ثم توجهت إلى برلين؛ حيث قابلت أسطورة الفيزياء ألبرت أينشتاين، وحضرت محاضرات ماكس بلانك شخصيًّا. وكان بلانك فيما سبق يرفض التدريس للنساء؛ إلا أنه بعد عام أصبحت مايتنر مساعدة له وشاركت الكيميائي أوتو هان الذي عملت معه لأعوام، فاكتشفا معًا عدة أيزوتوبات جديدة.

عندما انتقل هان ومايتنر إلى معهد القيصر ويلهلم الجديد ببرلين في عام 1912 عملت مايتنر دون أجر في إدارة الكيمياء الإشعاعية التابعة لهان، ولم تبدأ في الحصول على مقابل لعملها إلا في عام 1913؛ من ثم مُنحت قسم فيزياء خاصًّا بها في عام 1917. معًا اكتشف هان ومايتنر أول أيزوتوب طويل العمر لعنصر بروتاكتينيوم.

مع اكتشاف النيترون في بدايات ثلاثينيات القرن، بدأ المجتمع العلمي في توقع إمكانية تكوين عناصر أثقل من اليورانيوم في المعمل؛ فبدأ السباق العلمي لتأكيد ذلك بين إيرنست راذرفورد في بريطانيا، وإيرين جوليو-كوري في فرنسا، وإنريكو فيرمي في إيطاليا، وفريق هان ومايتنر في برلين. إلا أن الوضع تغير مع قدوم أدولف هتلر إلى السلطة في عام 1933.

كانت مايتنر قائمة بأعمال مدير معهد الكيمياء؛ وقد حمتها جنسيتها النمساوية، في حين فقد عديد من العلماء اليهود الآخرين مراكزهم، وتم الدفع بهم للرحيل عن ألمانيا. إلا أنها سرعان ما فقدت تلك الحماية عندما أصبحت النمسا موالية للنظام النازي؛ فتحتم عليها الهروب. من ثم انتقلت إلى السويد؛ حيث استقرت وتسنى لها العمل مع الرجل الذي أسس مفهومنا للهيكل الذري؛ نيل بوهر.

في تلك الأثناء ظلت مايتنر على اتصال مستمر مع هان وعلماء ألمان آخرين. في ذلك الوقت كان هان قد قام بالتجارب التي فصلت الدليل على الانشطار النووي، مكتشفًا أن قذف النيترون ينتج عناصر أخف من اليورانيوم. إلا أن تلك النتائج حيرته؛ ففي إحدى رسائله لمايتنر كتب: «ربما يمكنك الوصول إلى تفسير جهنمي؛ فقد علمنا أن اليورانيوم لا يمكنه فعليًّا الانفجار ليصبح باريوم».

قامت مايتنر بمراجعة نتائج هان بدقة، واستطاعت أن تأتي بنظرية تفسر كيفية حدوث الانشطار النووي، وهي النظرية التي حلت لغز هان؛ حيث أصبحت نتائج التجربة منطقية. فيما بعد نشر هان اكتشافه «لدليل كيميائي على الانشطار النووي» دون ذكر مايتنر كمؤلف مشارك.

أوتو هان وليز مايتنر، من المحتمل عام 1937 (Wikimedia)

يعتقد البعض أن هان أراد ذكر مايتنر إلا أن السلطات النازية قد منعته؛ ولكن أيًّا ما كانت نياته، يظل الواقع المؤكد أن رؤيتها كانت مفتاحًا أساسيًّا لاكتشافه وللتطورات التي طرأت فيما بعد على الكيمياء الإشعاعية والعمليات النووية التي انبثقت من ذلك الاكتشاف، والتي غيرت العالم. كما أنه في عام 1944 منحت أكاديمية العلوم السويدية الملكية جائزة نوبل للكيمياء لأوتو هان لاكتشافه الانشطار النووي؛ حيث تم التغاضي عن دور مايتنر. فلم يُذكر اسم مايتنر حينها، ولم يرتبط بذلك الاكتشاف لأعوام عدة.

أدى إدراك المجتمع العلمي لقدرة الانشطار النووي إلى إحداث تفاعل متسلسل من القوة الانفجارية الهائلة إلى التحرك. فعلمًا بمعرفة العلماء الألمان بالتقنية المطلوبة توقع العالم أن يقوم النظام النازي بتطوير قنبلة ذرية؛ الأمر الذي أدى إلى مشروع مانهاتن الذي تمخض عن القنبلة الذرية الأمريكية. إلا أن مايتنر أخذت على عاتقها العمل على التطبيقات السلمية للانشطار النووي، رافضةً العودة إلى ألمانيا بعد أن أصبح ذلك آمنًا بالنسبة لها؛ فعملت في ستوكهولم على أبحاثها النووية حتى ثمانينيات عمرها. ويجدر بالذكر أن أبحاثها قد شملت العمل على أول مفاعل نووي سلمي بالسويد (R1).

لم تحصل مايتنر على الاهتمام الذي تستحقه حتى عام 1966؛ في ذلك الحين كان اسمها قد ارتبط أخيرًا باكتشاف الانشطار النووي، فحصلت على جوائز عدة في أواخر عمرها. رحلت ليز مايتنر، تلك العالمة التي لم تنل ما تستحقه من تقدير وتم تجاوزها من قبل هيئة جائزة نوبل، عن العالم الذي أسهمت في تغييره في عام 1968 عن عمر يناهز التسعين. لقد كانت مايتنر ولا تزال رمزًا للعالمات العظيمات المهدور حقهن، وفي عام 1992، في مبادرة متواضعة لتكريم اكتشافاتها العلمية العظيمة، أطلق على العنصر رقم 109 بالجدول الدوري اسم مايتنريوم.

المراجع

www.jwa.org
www.wired.com
www.planet-science.com

*المقال منشور في مجلة كوب العلم، عدد النساء والعلم (ربيع 2016).

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية