مريم الأسطرلابية: رائدة علم الفلك العربية

شارك

لم تقتصر الإسهامات العربية الإسلامية في الحضارة الإنسانية على الرجل فقط، بل شملت المرأة أيضًا، التي كان لها دور حقيقي في هذه الإسهامات. وقد حظيت العلوم الإنسانية والعلوم الدينية - بطبيعة الحال - بالقدر الأكبر منها في المشرق والمغرب. فنجد أسماء عديدة لنساء لمعن وذاع صيتهن بين كتب السير والتراجم التي حفلت بأسمائهن وخاصة بعلم الحديث؛ لتصل إلى حوالي ثمانية آلاف عالمة حديث وفقًا لكتاب «طبقات المحدثات» للباحث محمد أكرم ندوي - الباحث بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية. ولم يقتصر دور العالمات على الحديث فقط، بل سائر العلوم الدينية؛ فنجد كثيرًا من النساء الفقيهات اللاتي ورد ذكرهن بموسوعة «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» للعلَّامة شمس الدين السخاوي، ليصل عددهن ما بين فقيهة ومحدثة إلى ما يربو على الألف. هذا فضلًا عن النساء اللاتي اشتهرن في مجالي الأدب والشعر؛ حيث يزخر تاريخنا بهن.

على الجانب العلمي، وهو محل مقالنا هذا، نجد من العالمات القليلات من لهن أثر جلي في هذا الجانب العلمي. وموضوعنا اليوم هو عن إحدى هؤلاء العالمات؛ وهي مريم الأسطرلابي (أو الأسطرلابية)، والتي نبغت في مجالات الفلك، والرياضيات، والهندسة. ولم نقع لها على تاريخ وفاة أو ميلاد، ولكن الثابت في المراجع أنها عاشت في العصر العباسي بفترة حكم سيف الدولة الحمداني (303-356هـ/915-967م) وهو مؤسس إمارة حلب شمال سوريا. ومن المعروف أيضًا أنها ابنة العالم الجغرافي والفلكي المشهور كوشيار الجيلي المتوفى سنة (420هـ/ 1029م)، ويعرف أيضًا بكوشيار الكيلاني نسبة إلى مدينة «أستان كيلان» بالفارسية؛ إحدى محافظات إيران بوقتنا الحالي.

ولكوشيار عديد من المؤلفات في مجال الفلك؛ من أهمها «رسالة دلالات الكواكب»، و«اللامع في أمثلة الزيج اللامع»، و«الزيج الجامع والبالغ»، و«الأسطرلاب وكيفية عمله واعتباره على الكمال والتمام»، و«المجمل في أصول صناعة النجوم»، و«أصول صناعة الأحكام وجملها والطرق إلى التصرف فيها واستعمالها». والجدير بالذكر هنا أن مكتبة الإسكندرية تمتلك نسخة أصلية من مخطوطة «الزيج الجامع» التي كتبت سنة 566هـ، وهي منقولة عن نسخة بخط المؤلف، وتعدُّ أقدم المخطوطات العلمية ضمن مجموعة مكتبة بلدية الإسكندرية التي آلت إلى مكتبة الإسكندرية.

صورة من «معرض ألف اختراع واختراع» والذي استضافته مكتبة الإسكندرية عام 2015. 
سلط المعرض الضوء على عديد من الإنجازات والابتكارات التي أسهم بها رجال ونساء، عاشوا خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية

 كما نرى فإن الفتاة الشابة قد نشأت وربيت في هذه البيئة الرياضية والفلكية؛ مما جعلها ترث هذه العلوم عن أبيها، وأن تتعمق في هذين العلمين إلى درجة إتقانها لمعادلاتهما وحسابتهما المعقدتين؛ فانطلقت مريم الأسطرلابية في هذا المجال – مجال علوم الفلك الذي يطلق عليه الآن علوم الفضاء - لتبدع وتصمم وتصنع آلة الأسطرلاب «المعقَّد».

وعلم الأسطرلاب لمن لا يعرف - أو الأصطرلاب - هو فرعٌ من فروع علم الهيئة الذي يقصد به علم هيئة السماء. ويتناول دراسة الأجرام السماوية البسيطة، ومواقعها، وحركتها الظاهرة بالقبة السماوية، وضبطها؛ فيُعَرِّفه حاجي خليفة بكتابه «كشف الظنون» قائلًا: «هو علم يبحث فيه عن: كيفية استعمال آلة معهودة (يقصد آلة الأسطرلاب)، يتوصل بها إلى معرفة كثير من الأمور النجومية، على أسهل طريق، وأقرب مأخذ، مبين في كتبها كارتفاع الشمس، ومعرفة الطالع، وسمت القبلة، وعرض البلاد، وغير ذلك».

ويكمل حاجي خليفة فيقول: «وأصطرلاب: كلمة يونانية، أصلها بالسين، وقد يستعمل على الأصل، وقد تبدل صادًا؛ لأنها في جوار الطاء، وهو الأكثر، يقال معناها: ميزان الشمس، وقيل: مرآة النجم، ومقياسه. ويقال له باليونانية أيضًا أصطرلافون، وأصطر هو النجم، ولافون هو المرآة، ومن ذلك سمي علم النجوم: أصطريوميا. وقيل: إن الأوائل كانوا يتخذون كرة على مثال الفلك، ويرسمون عليها الدوائر، ويقسمون بها النهار والليل، فيصححون بها المطالع، إلى زمن إدريس، وكان لإدريس ابن يسمى لاب، وله معرفة في الهيئة، فبسط الكرة، واتخذ هذه الآلة، فوصلت إلى أبيه فتأمل، وقال: من سطره؟ فقيل: سطر لاب، فوقع عليه هذا الاسم. وقيل: أسطر جمع سطر، ولاب اسم رجل. وقيل: فارسي معرب، من أستاره ياب، أي: مدرك أحوال الكواكب».

الجدير بالذكر أيضًا هنا أن نذكر أن أول اختراع له كان بمدينتنا الإسكندرية بالعصر الإغريقي على يد الإغريقي كلاوديويس البطلمي سنة (320 ق.م). وأيًّا ما كان تعريفه، وإذا ما قارناه بمثيله بوقتنا الحالي نستطيع أن نقول إنه الـ«GPS» (Global Positioning System) - النظام العالمي لتحديد المواقع - ومن هنا نرى الإسهام الهام لمريم الجيلي بابتكارها الاسطرلاب المعقَّد، والذي كان نواة لهذا النظام العالمي؛ حيث تعددت أنواع الاسطرلابات وقتها ما بين: الأسطرلاب المسطح (ذي الصفائح)، والأسطرلاب الكروي، والأسطرلاب ذي الحلق، والأسطرلابات الشكازية أو الصفيحة الشكازية، والأسطرلابات الآفاقية أو الصفيحة الآفاقية، والأسطرلاب الخطِّي (عصا الطوسي)، وأسطرلاب الزرقالة أو صحيفة الزرقالة، والأسطرلاب الزورقي. وكان لابتكارها وتصنيعها لهذا الأسطرلاب بالغ الأهمية في كيفية الرصد، وتحديد الأماكن والمواقيت، وتحديد الأشهر والتقاويم أيضًا. وإن لم يأتِ ذكرها في كتب التراجم والسير العلمية تفصيلًا دقيقًا عن حياتها، وكيف عاشت وتوفيت هذه العالمة، غير أنها أسهمت في نقلة علمية في مجال علم الفلك وتصنيع الأسطرلابات لتظل سيرتها باقية الذكر ليومنا هذا.

*المقال منشور في مجلة كوب العلم، عدد النساء والعلم (ربيع 2016).

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية