فجر الزمان وعلم الفلك الفرعوني

شارك

حاز المصريون القدماء على شهرة كبيرة لمعرفتهم بعلم الفلك. ولقد اتَّخَذ تفسيرهم لما رأوه في السماوات شكلاً أسطوريًّا، وكان شديد الارتباط بتعريفهم للبناء الديني؛ فاتخذوا من الشمس إلهًا أزليًّا هو مُنشِئ الكون والحياة.

ولقد ترك علماء الفلك المصريون ميراثًا أساسيًّا لعلم الفلك الحديث متمثلاً في قياسين قد حدَّدا تطور هذا العلم وكذلك الحياة اليومية للحضارات. هذان القياسان هما التقويم السنوي كما نعرفه ونستخدمه اليوم، وتقسيم اليوم والليل إلى اثنتَي عشرة ساعةً لكلٍّ منهما.

في عالمٍ بلا تاريخ، كان الزمن من أوائل الكميات التي تم قياسها، وكان ذلك في الأصل استجابةً لحاجة الزراعة، والتي كانت دوراتها هي أساس تحول المجتمع الإنساني. لذلك، فإن فكرة قيام التقويم على الدورة السنوية للشمس هو أمر مشكوك فيه. ومازلنا غير متأكدين ما إذا كان التقويم المصري فلكيًّا أم زراعي الأصل.

ولقد ظهرت علاقة ما بين الظواهر الأرضية والسماوية أدَّت إلى التقسيم الدوري للزمن إلى فترات متكررة مرتبطة بمراحل القمر والنهر. وكانت القدرة على توقُّع الفيضان التالي، عن طريق رصد سطوع النجم «سب دت» («سوثيس» لدى الإغريق أو «سيريوس» كما نعرفه اليوم)، هي الرابط بين التعريف الفلكي للتقويم وجذوره الزراعية الأصل. كما كانت أيضًا رابطًا بين الدورة السنوية والدورة الدينية للموت والبعث، وكذلك بين الدورة اليومية للشمس من المشرق إلى المغرب، وحياة الإنسان، والدورة السنوية للنهر.

ولأن مصر قد تبنت النظام الرقمي العشري، فقد كانت مدة السنة المصرية الغامضة مقسمة إلى أسابيع يتكون كل منها من عشرة أيام، ومجموعها ستة وثلاثون أسبوعًا. أما عن طول الشهور، فكان مأخوذًا عن نتيجة قمرية عتيقة فكان مقسَّمًا إلى ثلاثين يومًا، وبالتالي إلى ثلاثة أسابيع. ولقد تم جمع الشهور في ثلاثة مواسم؛ وكلٌّ منها يتكون من أربعة أشهر بمجموع ثلاثمائة وستون يومًا، أضاف إليها المصريون خمسة أيام لإتمام الدورة السنوية المتكونة من ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا. إلا أن هذا التقويم كان يفتقد رُبع يوم لاستكمال السنة الشمسية الصحيحة؛ ولذلك ظهرت فجوة كبيرة في التوقيت مع مرور الزمن.

ولقد ظلت السنة المصرية ذات الثلاثمائة وخمسة وستين يومًا مستخدمة في ممارسات علم الفلك، خادمةً نفس العلم الذي حثَّ على تعديلها مع تطور دقة القياسات حتى تم استبدالها بالتقويم اليولياني. وفي هذا الإطار فقد ربطت السنة المصرية "الغامضة"، عبر العصور وعن طريق علم الفلك العربي، بين علم الفلك الإغريقي البطلمي وتطور نظام كوبرنيكوس في أوج عصر النهضة.

ولقد نشأ التقسيم اليومي إلى أربع وعشرين ساعة مباشرةً من التقويم المصري القديم. وقام المصريون بتطوير الساعات التي تقيس الوقت بشكل مستقل عن مسار النجوم؛ فيعتبر ظهور الساعات الشمسية والمائية في أوراق البردي من الأسرة التاسعة عشرة دليلاً على ظهور مبدأ الساعات ذات المدة الموحَّدة.

وبالرغم من الفراغات الهائلة، فإن الوثائق التي عُثِر عليها تُمكِّننا من إعلان علم الفلك المصري أحد أعظم المجالات التي برعوا فيها.


*هذا المقال مأخوذ من معرض «جاليليو، صور الكون من القِدَم إلى التلسكوب»، والذي أعده باولو جالوتزي؛ وكتب النص الأصلي لهذا الجزء من المعرض أليساندرو روكاتي وإدواردو ديتوما. إعادة الكتابة والإخراج لنشرة مركز القبة السماوية العلمي: مايسة عزب وإنجي حافظ.

**المقال الأصلي في نشرة مركز القبة السماوية العلمي، الفصل الدراسي الأول (2009/ 2010(.

***Banner picture copyrights PSC.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية