زراعة الرأس

شارك

شهدت الإنسانية تطورًا ملحوظًا في عمليات زراعة الأعضاء بمختلف أنواعها على مر السنين. فلم يعد الآن من الغريب على أسماعنا أن شخصًا قد قام بالتبرع بإحدى كليتيه أو بجزء من كبده إلى شخص آخر، وخروج كل من المتبرع والمتلقي من العملية بحالة صحية جيدة. ولكن ما لم تعتد عليه أسماع الناس حتى اللحظة الراهنة «زراعة الرأس»، والذي يعد طفرة في مجال الجراحة بلا منازع.

وزراعة الرأس عملية جراحية يتم فيها زرع رأس كائن حي في جسد كائن حي آخر مع ربط كل الأوعية الدموية وشبكات الأعصاب والعمود الفقري بين الرأس والجسد. بدأ هذا النوع من العمليات الجراحية في طليعة القرن العشرين، بالتحديد في عام 1908، عندما تمكن الجراحان ألكسيس كاريل وتشارلز غوثري من تنفيذ أول عملية زراعة رأس عرفها الطب؛ إذ قاما بانتزاع رأس كلب وزراعتها في رقبة كلب آخر. وبالرغم من أن الكلب ظل على قيد الحياة، فقد ظل يعاني تدهورًا في الأوضاع الصحية، بالإضافة إلى مشكلات في الجهاز المناعي؛ مما دفع الطبيبين بعد بضع ساعات إلى اللجوء للموت الرحيم كي لا يتألم الكلب لوقت أطول.

بالانتقال من مطلع القرن العشرين إلى منتصفه، أضيفت إلى عمليات زراعة الرأس عملية جديدة أُجريت لكلب على يد الجراح السوفيتي فلاديمير ديميخوف، الذي تميز عن سابقيه بتمكنه من توفير إمدادات كافية من الدم للكلب من خلال الأوعية الدموية؛ مما أعطاه عمرًا أطول نسبيًّا هذه المرة. ولكنه لم يلبث أن لقي حتفه أيضًا في إثر أزمات في الجهازين المناعي والعصبي. وبنفس الوتيرة أُجريت عمليات زراعة رأس عديدة للحيوانات خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين.

وبالرغم من تطور عمليات زراعة الرأس مع الوقت، فقد ظلت مقتصرة على الحيوانات فقط حتى عام 2016 عندما أعلن الجراح الإيطالي سيرجيو كانافيرو عن نجاح أول عملية زراعة رأس لإنسان؛ إذ تمكن من زراعة رأس بشري في جسد شخص ميت في الصين ووعد بعدها بإجراء نفس العملية ولكن على شخص حي هذه المرة! لم يمضِ كثير من الوقت حتى أثار تصريح كانافيرو عاصفة من الجدل فيما يخص الجدوى الطبية بالإضافة إلى الاعتبارات الأخلاقية لهذا النوع من العمليات.

فأظهر المجتمع الطبي نقدًا شديدًا تجاه إجراء هذه العمليات على البشر مؤكدًا عدم جدواها من الناحية الطبية وأنه غير مقدر لها النجاح لعدة أسباب. أولًا: بعد استئصال الرأس من جسد المتبرع، فإنه لن ينجو لأكثر من بضع ساعات دون توصيله بشبكة متصلة من الأوعية الدموية، في حين إن العملية نفسها تستغرق أكثر من 18 ساعة. ثانيًا: من المتوقع أن يبدي الجسم رفضًا للرأس؛ لأن الجهاز المناعي سيبدأ بشن هجوم على هذا العضو الغريب بالنسبة إليه، مما يهدد بدوره نجاح العملية بأسرها. ثالثًا: من الصعب إعادة ربط الحبل الشوكي بين الجسم والرأس؛ فهي عملية معقدة إلى حد كبير وتحتاج إلى دقة بالغة، وإلا فسيعاني الجسد المستقبل للرأس الشلل لبقية حياته. أخيرًا وليس آخرًا، إن نجحت العملية، فسوف يكون لها تبعات نفسية سيئة على الشخص؛ فالعقل لن يكون قادرًا على استيعاب هذا التغيير الجذري ببساطة؛ مما قد يؤدي إلى الجنون.

إجمالًا، ثبت فشل العملية التي أعلن عنها الدكتور كانافيرو ولم يتلقَّ المجتمع العلمي منذ حينها حتى هذه اللحظة أي أخبار جديدة بخصوص عملية أخرى. ولكن من الأكيد أن الجميع ينتظر على أحر من الجمر حدثًا علميًّا غير مسبوق بخصوص زراعة الرأس، يضاف إلى سجل إنجازات الإنسان في العصر الحديث.

المراجع

downtoearth.org.in
express.co.uk
independent.co.uk
researchgate.net

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية