أشهر وثائق حقوق الإنسان

شارك

يُرجَّح ظهور مصطلح «حقوق الإنسان» في القرن السابع عشر في أوروبا، ولكن ليس بمعناه العالمي الشامل الذي نفهمه حاليًّا، بل بمعنى اتخذ أبعادًا قومية ووطنية تتمثل في علاقة الإنسان بوطنه، وعلاقة المواطن بحكامه؛ لكن الحديث عن «حقوق الإنسان»، وإن لم يُستخدم هذا المصطلح بشكل مباشر، قد بدأ منذ أزل بعيد. فبادئ ذي بدء، تحدثت كل الشرائع السماوية عن حقوق البشر، ووضعت الديانات السماوية ضوابط عديدة تحدد الحقوق وقواعد المعاملات والسلوكيات الفردية والمجتمعية، وتبع مصطلح «الحقوق» مصطلح «الواجبات» ليصبحا صنوين لا يفترقان.

فبعد أن تطورت المجتمعات، وانتقل كثير منها من الشكل القبَلي إلى هيئة المدينة، ثم صارت التبعية لكيان الدولة، وتوالت أنظمة الحكم واختلفت باختلاف البلدان والعادات والمعتقدات، بدأت تظهر إشكاليات للضوابط الحاكمة بين مجموعات من العلاقات. كان أبرز تلك العلاقات علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة المحكوم بمن هم في دائرة الحاكم وبالمؤسسات التابعة له، وعلاقة المحكومين أنفسهم بعضهم ببعض وبدولتهم، وواجباتهم نحوها وحقوقهم عليها. وتشابكت الإجابات وتعقدت مع مرور الزمن، وتزايدت احتياجات الإنسان التي تخطت الاحتياجات المادية إلى احتياجات وجدانية وروحية ومعرفية وعقلية، تجلت في التوق إلى المعرفة بلا حدود، وإلى حرية التعبير عن الرأي وعن الأفكار.

حتَّمت الضرورة صدور تشريعات واضحة كان هدف معظمها هو حفظ استقرار المجتمع، وحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات، وحفظ النظام العام وهيبة الدولة. وكانت «الماجنا كارتا» أو الوثيقة العظمى الصادرة للمرة الأولى عام 1215م في بريطانيا، باكورة التشريعات الحاكمة لهذا التشابك في العلاقات والحقوق والواجبات؛ وعلى رأسها سلطات الحاكم الممثَّل في بريطانيا في شخص الملك الذي كان مطلق السلطة والإرادة. فصدرت «الماجنا كارتا» للحدِّ من هذه السلطة المطلقة، كما اشترطت عليه منح حريات معينة، واشترطت أن يُصرَّح علنًا بعدم معاقبة أي رجل حر إلا بموجب قانون الدولة. ورغم أن «الماجنا كارتا» لم تكن نصًّا مثاليًّا، فقد كانت مُلهمةً عبر مئات السنوات لعديد من النصوص الدستورية التي صيغت لاحقًا في بلدان مختلفة، ولعل أبرزها الدستور الأمريكي.

تأتي نظرية «العقد الاجتماعي» التي دشنها المفكر والفيلسوف الفرنسي الكبير جان جاك روسو (1712م-1778م) – في كتابه المعنوَن بهذا المصطلح الذي نشره عام 1762م – في صياغة فريدة وأكثر وضوحًا في تحديد علاقة الحاكم والمحكوم، وعلاقة المواطن بالدولة. وتتأسس الفكرة الرئيسية لهذه النظرية على أن القانون والنظام السياسي من اختراع البشر، وهما من ثمَّ وسيلة فقط للوصول إلى غاية عليا؛ وهي منفعة الأفراد الذين يشملهم العقد الاجتماعي. ويستمد هذا العقد شرعيته من التزام جميع أفراده بما اتفقوا عليه فيه. وهكذا، جعل روسو المواطن شريكًا للحاكم ومتعاقدًا معه. وفي عصره، كانت هذه الفكرة تمثل ثورة هائلة قياسًا على منظومة الفكر السائد حول الحكم بالحق الإلهي، والسلطة المطلقة للملك، وللسلطة الدينية الداعمة له. وكان كتاب «العقد الاجتماعي» أحد مصادر الإلهام الأساسية لاندلاع الثورة الفرنسية عام 1889م، بعد وفاة كاتبه بأحدَ عشر عامًا.

ومن رحم الثورة الفرنسية، وُلد أول «إعلان لحقوق الإنسان والمواطن» أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في 26 أغسطس 1789، وهو من الوثائق الأساسية للثورة الفرنسية، وإحدى المرجعيات الرئيسية في العالم التي تم الاستناد إليها لصياغة النصوص المستقبلية المتعلقة بحقوق الإنسان. وتُعرَّف في هذا الإعلان الحقوق الفردية للمواطن والحقوق الجماعية للأمة. ويُعلي الإعلان من شأن حق الإنسان في الحرية وفي العيش تحت مظلة سيادة القانون، كما يؤكد ثنائية الحقوق والواجبات التي بدأت تظهر جلية مع هذا الإعلان.

ويأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م، ببنوده الثلاثين كنص مُتوِّج لمسيرة نضالية إنسانية طويلة عبر عشرات القرون، عانى فيها الإنسان من إهدار الحقوق والظلم والقهر. فنضجت معارفه واتقدت رغبته في تأكيد حقوقه وحرياته، وسعى سعيًا حثيثًا في سبيل تأكيد إنسانيته وصيانتها من كلِّ معتدٍ أثيم. ولا اندهاش إذا عرفنا أن هذا الإعلان اعتمد في بنيته على «الماجنا كارتا» البريطانية، وعلى الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن.

ولا يزال الإنسان يجاهد لنيل حقوقه في بقاع الدنيا كافة، وما زالت الإنسانية في سعيها الدءوب لتأكيد متطلبات الحرية والكرامة والسلام.


من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية