التبريد... إلى أين؟

شارك

لم يعد الآن في عصرنا الحالي من لا يدرك دور التبريد في حياة الإنسان. كيف لا، وهو السبب الرئيسي في حفظ الأطعمة لفترات تصل إلى شهور بدون تلف؟ لكن في حقيقة الأمر، لم تعد تطبيقات التبريد تقتصر على حفظ الأطعمة فحسب، بل اتسعت لتشمل أكثر من ذلك بكثير. ولعل أهم تطبيقات التبريد وأشيعها في المجتمع العلمي هو استخدام التبريد في حفظ الأجسام البشرية!

لطالما كان من الـمُسلَّم به في المجتمع الطبي أن نسبة رجوع أي شخص إلى الحياة بعد انخفاض درجة حرارة جسده إلى 28 درجة مئوية لا تتخطى 10%. أما الآن، وبعد التعمق في علم التبريد، أصبح من الطبيعي أن تنخفض درجة حرارة الجسم إلى ما تحت الصفر وتظل نسبة العودة إلى الحياة تقترب من 100%. يتمثل هذا اللغز العلمي في كون خلايا الجسم تحتاج إلى كمية معينة من الأكسجين لتمارس أنشطتها البيولوجية، وفي حالة عدم وصول ما يكفي من الأكسجين، فإن الخلايا قد تموت خلال دقائق. لكن في حالة تبريد الجسم لدرجات حرارة منخفضة جدًّا، فإن نشاط خلايا الجسم يقل بدرجة كبيرة؛ حيث يقلل انخفاض درجة حرارة الجسم درجة واحدة فقط من نشاط الخلايا بنسبة 30%، ومن ثم يقل احتياجها بشدة إلى الأكسجين. وبذلك، فإن تبريد الجسم إلى درجات حرارة منخفضة جدًّا يقلل احتياج الخلايا للأكسجين بكثير عن احتياجها إليه في درجات الحرارة العادية.

بدأ العلم في خوض رحلته في مجال التبريد منذ القرن العشرين؛ إذ شهد العالم أول تجربة لتبريد الأجسام البشرية عندما تمكن كل من Robert Prehoda وDante Brunol وRobert Nelson من تبريد جثة أستاذ علم النفس James Bedford لحفظها من التحلل. ومع تقدم العلم، لم يعد التبريد مقتصرًا على الأحياء فقط، بل على الأموات أيضًا؛ إذ أصبح من الممكن حفظ جثث الموتى لسنوات طويلة في درجات حرارة تصل إلى 160 درجة تحت الصفر ثم إخراجها، أو الاكتفاء بحفظ أجزاء فقط حتى يتسنى للأطباء زرعها في جسد آخر مستقبل.

وبالانتقال من الطب إلى الفيزياء، وجد العالم الألماني Heike Kamerlingh Onnes وفريقه البحثي في عام 1911، أن تبريد الزئبق إلى درجات حرارة منخفضة جدًّا يجعله فائق التوصيل للكهرباء. ثم توالت الأبحاث بعد ذلك في هذا المجال لتعميم هذه الظاهرة على كل الموصلات الكهربية. فعند تبريدها لدرجات حرارة منخفضة جدًّا لا يجد التيار فيها أي مقاومة تذكر. وتتمثل أهمية هذا الاكتشاف في أن المقاومة التي يلقاها التيار في الموصلات في درجات الحرارة العادية تتسبب في هدر جزء كبير من الطاقة. ومع طول المسافة التي يقطعها التيار يزداد هدر الطاقة، ومن ثم تزداد التكلفة، في حين يمنع خفض درجة حرارة الموصلات إلى ما تحت الصفر أي هدر للطاقة؛ ما يوفر بدوره أموالًا كثيرة.

ومع هذا الانتشار الكبير لتطبيقات التبريد في مجالات علمية كثيرة، لم يعد بإمكان العلم التنبؤ بأي حدود لقدرة التبريد على تغيير شكل الحياة في المستقبل. وبذلك، يظل السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا في المجتمع العلمي: التبريد... إلى أين؟

المراجع

alumni.berkeley.edu

researchgate.net

sciencedirect.com

semanticscholar.org

Cover image credits: Fer Gregory.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية