أبنائي يرحلون (قصة قصيرة)

شارك

سمع «المناخ» صوت «البيئة» يناديه في جزع وفزع: يا أخي.. يا أخي أين أنت؟

فهرول إليها قائلًا: أنا بجانبك يا أختاه، ماذا بك؟

قالت «البيئة» والفزع يملأ ملامحها والجزع يغطي نبرات صوتها: أبنائي أيها «المناخ»، أبنائي.

قال «المناخ»: ماذا بهم؟! هل أغضبك أحدهم أم ساءك فعلهم؟!

قالت «البيئة»: الأمر أخطر من ذلك.

قال «المناخ» والدهشة تملأ وجهه: ماذا إذًا! أخبريني.

قالت «البيئة»: أبنائي ينوون الرحيل.

زادت دهشة «المناخ»، ثم قال: من منهم؟ وكيف؟

قالت «البيئة» والحسرة تملأ جبينها: جميعهم، ولا أدري كيف ولكني أُخْبِرْت بذلك.

قال «المناخ»: كيف يرحلون عنك وأنت حاضنتهم! وإلى أين يرحلون؟

ثم استطرد قائلًا: ربما يمزحون معك.  

قالت «البيئة»: لا أعرف، فمنذ أن سمعت أنهم ينوون الرحيل وأنا في حيرة ولوعة.

قال «المناخ»: اهدئي يا أختاه وأرسلي في طلبهم؛ لنعرف معًا حقيقة الأمر.

قالت «البيئة»: معذرة يا أخي، لم أكن أريد إزعاجك، أعرف أنك متغير بطبعك، وأعرف أن ما تواجهه في حياتك من أمور تغيِّرك أيضًا وتنشغل بها.

قال «المناخ»: لا تقولي هذا يا أختاه، فلقد خلقنا الله سبحانه وتعال) ليكون كلانا للآخر دعمًا وسندًا.

قالت «البيئة»: حقًّا يا أخي لقد صدقت، سأرسل «الهواء» حالًا في طلبهم، فلكم اشتقت إليهم وإلى حديثي معك ومعهم.

جاء «الهواء» سريعًا ليخبر «البيئة» أنه أبلغ رسالتها، وأن أبناءها: «الماء» و«الأحياء» و«التربة» وهو معهم قد حضروا جميعًا؛ استجابة لدعوتها وندائها إليهم.

رحبت «البيئة» بأبنائها، وهم يتساءلون: خيرًا يا أماه؟

قالت «البيئة» لهم: أنتم الخير كله، حباني الله بكم أبناءً صالحين، تزينونني بوجودكم، وتزودونني بخيركم.

قال «المناخ»: مرحبًا بكم أبنائي، لطالما اهتمت «البيئة» بأمركم، واليوم هي منزعجة بخبر رحيلكم.

قال «الهواء»: مَن سيرحل؟

وقال «الماء»: وكيف سيرحل؟

وقالت «التربة»: وأين سيرحل؟

ثم أخذوا ينظرون إلى «الأحياء»، فهي صامتة ولا تتحدث، فسألها «المناخ»: هل سمعت شيئًا عن هذا الأمر؟

قالت «الأحياء» والحيرة تملأ وجهها: نعم، لقد سمعت هذا الحديث من بعض أبنائي البشر، لكنهم لم يتحدثوا عن رحيلنا، وإنما حذَّروا من ذلك.

قالت «البيئة» وهي مندهشة: وكيف حذروا من ذلك يا بنيتي؟

قالت «الأحياء»: حذروا من تلوث «الهواء» بالغازات السامة والمشعة، وحذروا من تلوث «الماء» و«التربة» بالمواد البلاستيكية والبترولية، ومصارف المصانع والبشر والنفايات المشعة، وغيرها. فيرحل بذلك «الهواء» المتوازن، و«الماء» و«التربة» النظيفين.

قال «الهواء»: عجبًا يا أختاه! هل بنو البشر هم الذين يحذرون؟

قالت «الأحياء»: نعم.

فقال «الهواء»: هل تعلمين أن مداخن مصانعهم تؤرقني ليل نهار بدخانها الأسود الكثيف، وكذلك ما تحدثه انفجارات مخترعاتهم النووية من إشعاعات مميتة تملأ أجوائي سمومًا أتعافى منها بعد وقت طويل وجهد كبير.

وقال «الماء»: هل تعلمين أن بني البشر هم الذين يلوثون بحاري وأنهاري؟

وقالت «التربة»: وكذلك يلوثونني.

قالت «البيئة»: مهلًا يا أبنائي، رفقًا بأختكم «الأحياء»، فإنها تعاني مثلكم، فإذا حذر الإنسان من رحيلكم فهو يحذر أيضًا من فنائه، فبرحيلكم يفنى.

قالت «الأحياء»: صدقت يا أمي.

قال «المناخ» موجهًا كلامه للبيئة: وتسألينني يا أختاه ما الذي غيَّرك؟ إنه فعل أبنائك الذين لحقهم الضرر كما لحقني، غير أني أحاول جهدي وبما مكنني فيه ربي أن أحفظ لهم التوازن وأنقيهم مما يلحق بهم من ملوثات.

قالت «البيئة»: أعلم يا أخي، ولكن أبنائي الآن في خطر.

قال «المناخ»: كانوا في خطر حين كانوا يجهلون.. أما وقد أصبحوا يعلمون المشكلة ويعلنون عنها ذلك ويحذِّرون منها؛ فهذا كما يقال: أول الغيث.

قالت «الأحياء»: كيف أيها «المناخ»؟

قال «المناخ»: لقد ميَّز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل، ومن يعقل لا يؤذي نفسه، وإن استشعر الأذى اجتهد بعقله لينجو منه.

قالت «الأحياء»: هل معنى ذلك أن الانسان سيجتهد للحفاظ عليّ وعلى إخوتي.

قال «المناخ»: بالطبع يا حبيبتي، ألم تقل لكم أمكم إنه برحيلكم يفنى.

قالت «الأحياء»: فبماذا توصي أيها «المناخ» الحبيب.

قال «المناخ»: أوصي أن يتعاون بنو الإنسان في تحمل آثار تغيُّري والحدِّ من تأثيرها فيه.

ثم استطرد قائلًا: كما أوصيهم بإعمال عقولهم وجهدهم للحدِّ من الملوثات، والبحث عن بدائل لمخترعاته الملوِّثة ومصادر الطاقة لديه بحيث تكون صديقة لكل منكم، لا تؤذيهم ولا تزعجكم.

قالت «البيئة»: ما أسعدني بكم يا أبنائي وبتعاونكم فيما بينكم، وها قد سمعتم ما قاله «المناخ»، فاسعدوا بتحقيقه لنحيا جميعًا حياة نقية سعيدة.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية