عصر صناعة الموسوعات

شارك

ما أشبه اليوم بالبارحة. فأول ما فعله التتار في القرن السابع الهجري سنة 656 هجرية/ 1285 ميلادية، بقيادة هولاكو خان عند دخول بغداد –بعد سفك الدماء– هو تدمير مكتباتها العامة ودواوينها، حتى قيلت المقولة المشهورة: إن نهر دجلة امتلأ بالمخطوطات التي جعلوا منها جسورًا لعبور خيولهم عليها، وأنَّ لون النهر تحول إلى الأسود، لون المداد الذي كُتبت به المخطوطات.

تُروي في التاريخ روايات أشدُّ قسوةً وفتكًا مما فعله التتار ببغداد –عاصمة الثقافة والعلم آنذاك– وكأنها عملية منهجية في إبادة ذاكرة الحضارة الإسلامية وعلومها من عهد التتار إلى وقتنا الحاضر. فبعدما اجتاح التتار حواضر العالم الإسلامي من بغداد إلى دمشق فقدت الحضارة الإسلامية عِلْمها المكتوب والمدوَّن بإحراق المكتبات والمعالم الثقافية وتدميرها، وكذلك عِلمها الشَفهي بقتل العلماء والفقهاء. فيكفي أن نعرف أنه عند خروج الخليفة العباسي المستعصم ليتفاوض ذليلاً مع هولاكو –بعدما أعدَّ له هذا اللقاء وزيره الخائن ابن العلقمي– خَرج الخليفة معه أكثر من سبعمائة رجل من خيرة علماء بغداد وفقهائها ووجهائها قتلهم هولاكو جميعًا، وأبقى على الخليفة لقتله مرتين؛ الأولى: عندما يرى انهيار خلافته، وقتل أبنائه، وسبي نسائه أمام عينيه، والثانية: عندما يُقتل ركلًا ورفسًا بالأرجل.

نعم، خليفة المسلمين مات ركلًا ورفسًا بالأرجل، وبعدها، ترنحت الخلافة الإسلامية من فرط قوة الهجمة الشرسة من الشرق علي يد التتار، وبعدها بقرنين من جهة الغرب بسقوط الأندلس. ولم تبقَ إلا مصر –قاهرة التتار في عين جالوت (658هـ) وملاذ العلماء الفارين من الشرق والغرب– وبعض الحواضر التي سلِمت من أيدي التتار، لتبدأ صناعة الموسوعات وكأن العلماء أدركوا حجم الكارثة التي أصبحوا فيها من تدمير هويتهم، وذاكرتهم. فأمة بدون ذاكرة لا حاضر ولا مستقبل لها.

ففي هذه الفترة العصيبة من عُمرِ الخلافة الإسلامية أدرك العلماء المسئولية التي وقعت على عاتقهم تجاه إحياء هذه العلوم والمتون التي أفسدتها الحروب وإعادة جمعها، وأدركوا أنه لا محالة من ذلك. فبدأ عصر الموسوعات تعويضًا لما جاء من تخريب وحفظًا لما بقي من ذاكرة الأمة والحضارة الإسلامية.

وجاءت هذه الموسوعات في شتى فروع العلم على اتجاهين كما ذكر الأستاذ يسري عبد الغني بكتابه «مؤرخون مصريون من عصر الموسوعات»: الاتجاه الأول ظهرت فيه المجاميع الضخمة والموسوعات الشاملة، والاتجاه الثاني فهو اتجاه فلسفة التاريخ. وظهر أيضًا من وراء هذين الاتجاهين اتجاه الجمع الموسوعي، ومن أبرز أعلامه ابن منظور (711 هـ) وموسوعته الشهيرة «لسان العرب»؛ إذ تقع في عشرين مجلدًا، جمع فيها أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعًا. فاحتوى هذا المعجم على 80 ألف مادة، ليزيد عن القاموس المحيط للفيروزآبادي (817هـ) بنحو 20 ألف مادة.

ومن أعلامه كذلك ابن فضل الله العمري (900هـ( وموسوعته «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»، والتي جاءت في سبعة وعشرين مجلدًا، في علوم مختلفة، والنويري شهاب الدين (667هـ) صاحب أضخم الموسوعات التي كتبت في التاريخ «نهاية الأرب في فنون الأدب»، والتي جاءت في اثنين وثلاثين جزءًا جمع فيها النويري خلاصة التراث العربي في شقَّيه، الأدب والتاريخ.

أما الاتجاه الأول –المجاميع الضخمة والموسوعات الشاملة– فكان من أبرز المصادر التي تمثل «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، وهو من أمهات المصادر لدراسة تاريخ الطب عند العرب لصاحبه ابن أبي أصيبعة (668هـ)، وموسوعة صلاح الدين الصفدي (674هـ) «الوافي بالوفيات»، وموسوعة ابن خلكان (681هـ) «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان»، والذي يعد من أشهر كتب التراجم العربية ومن أحسنها ضبطًا وإحكامًا، وقد ذيَّل عليها ابن شاكر الكتبي (754هـ) بموسوعة «فوات الوفيات». وللمؤلف نفسه أيضًا موسوعة «المختصر في أخبار البشر».

ومن الموسوعات المهمة التي لا غِنى عنها والتي ظهرت في هذه الفترة موسوعة «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لشمس الدين الذهبي (748هـ)؛ إذ تعدُّ رصدًا للتاريخ الإسلامي، بداية من الهجرة النبوية وحتى سنة 700 هجرية. ومن الرجال الذين برزوا أيضًا في صناعة الموسوعات ابن حجر العسقلاني (752هـ)؛ صاحب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» والذي مكث في تأليفه عشرين سنة، وهو أيضًا صاحب موسوعة «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة»؛ وهو معجم ضخم ترجم فيه لأعيان القرن الثامن الهجري من علماء، وملوك، وسلاطين، وشعراء وغيرهم من مصر ومختلف بلاد الإسلام، وتعد هذه الموسوعة من أهم مصادر تاريخ مصر الإسلامية.

 وكان لشيخ المؤرخين المصريين تقي الدين المقريزي (845هـ) دور مهم في صناعة الموسوعات والمؤلفات الضخمة، من أبرزها «السلوك لمعرفة دول الملوك»، والذي حققه الدكتور عمر عبد السلام التدمري في نحو خمسين مجلدًا بعد محاولاتٍ عديدة لنشره كاملًا. هذا غير أعمال جلال الدين السيوطي (911هـ) الموسوعية التي تذخر بها أية مكتبة عربية.

وأما الاتجاه الثاني –اتجاه فلسفة التاريخ– والذي بدأ بابن طباطبا (709هـ) بكتابه «الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية» مرورًا بابن خلدون (808هـ) وموسوعته الشهيرة «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» التي تقع في سبعة مجلدات وثامنها الفهارس، يتصدرها كتاب «المقدمة» الشهير بـ«مقدمة ابن خلدون في علم الاجتماع»؛ حيث جعلت منه مؤسسًا لعلم الاجتماع؛ فقد كانت هاتان الموسوعتان من أبرز موسوعات هذا الاتجاه.

ومن غير المنصف ألا نذكر بعض الموسوعات التي جاءت قبل هذا العصر، والتي كانت بمثابة الإرهاصات الأولى لصناعة الموسوعات العربية؛ مثل: موسوعة «تاريخ دمشق الكبير» لابن عساكر (571هـ) التي أتت في أربعين مجلدًا ضخمًا، وموسوعة «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» لابن الجوزي (597هـ). ومن أشهر الموسوعات أيضًا قبل هذ الحقبة «الكامل في التاريخ» في اثني عشر مجلدًا، وموسوعة «أسد الغابة في معرفة الصحابة» التي أتت في خمسة مجلدات، والموسوعتان لصاحبهما أبو الحسن ابن الأثير (630هـ)، وثنائية أخرى لياقوت الحموي (626هـ) تعد من أهم ما كتب في الجغرافيا والتراجم تضم «معجم البلدان» و«معجم الأدباء».

نكتفي بهذا القدر لضيق المقام ونقول: إنه ربما كثَّف العلماء العرب من موسوعاتهم بعد غزو التتار، ولكن لم تكن هذه الحقبة حكرًا على الموسوعات ولكن كما رأينا فتوجد موسوعات عديدة حفلت بها الحضارة الإسلامية. وربما نقول إن الفكر العربي الإسلامي في كتابة الموسوعات بدأ مبكرًا في القرنين الثالث والرابع الهجريين ومن أمثلة ذلك؛ سيرة ابن هشام (223هـ)، و«البيان والتبيين»، و«كتاب الحيوان» للجاحظ (255هـ)، و«عيون الأخبار» لابن قتيبة (276هـ)، و«أخبار الرسل والملوك» للطبري (310هـ)، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه (328هـ). وأمام هذا الكم الهائل من الموسوعات والذي ذكرنا بعضها فقط؛ ربما فَهِم العلماء الأولون أن المتأخرين لا قِبَل لهم بالموسوعات، فقدموا كل ما عندهم لنظل أصحاب تاريخ فقط.


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد خريف 2014.

Cover: Image by vecstock on Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية