قد يبدو من غير المعقول أن يكون المرء نجمًا سينمائيًّا وعالِمًا متميزًا في آن واحد! فهذا عمليًّا مستحيل، فإما أن تأخذه النجومية والشهرة بشكل كلي، وإما أن يأخذه العلم بشكل كلي؛ أما أن يعمل ويبرع في المجالين كليهما، فهذا أمر استثنائي يستحق أن نلقي الضوء عليه.
ولدت هيدويج إيفا ماريا كيزلر في فيينا بالنمسا في عام 1914. كان لديها ميول علمية منذ الصغر، وقد ساعدها والدها في البحث والقراءة، إذ ذكرت كثيرًا في مراحل لاحقة فضل والدها عليها في حبها للعلم والبحث العلمي. وبالتوازي، بدأت مشوارها السينمائي في العشرينيات من عمرها في تشيكوسلوفاكيا. انتقلت بعد ذلك إلى باريس، ومنها إلى برلين، ثم إلى لندن؛ حيث التقت لويس بي مايور، مدير شركة متروجولدن مايور، الذي بُهر بجمالها وبلغتها الإنجليزية (بجانب لغتها الألمانية الأم)، وعرض عليها التعاقد مع الشركة.
وافقت هيدي على الفور، فغيَّر لويس بي مايور لقبها إلى «لامار» تخليدًا منه لذكرى نجمة السينما الصامتة باربرا لامار. وبعدها، غادرت هيدي لامار قارة أوروبا؛ حيث الميلاد والصبا والشباب والأحلام إلى الأبد، عابرة المحيط الأطلنطي في اتجاه هوليوود؛ حيث انطلقت بسرعة الصاروخ بدءًا من فيلمها Algiers (الجزائر) في عام 1938. وصلت لامار لأوج مجدها وشهرتها بدورها التاريخي الخالد في فيلم Samson and Delilah (شمشون ودليلة) في عام 1949. وكان أحد أسباب شهرة هذا الفيلم كونه أول فيلم ملون تقوم لامار ببطولته. وقد ظهرت هيدي لامار في خمسينيات القرن العشرين على غلاف مجلة «التايم»، وكُتب وقتها أنها أجمل امرأة في العالم. سطرت لامار نهاية علاقتها بالسينما بفيلمها الأخير The Female Animal (السيدة البغيضة) في عام 1958. وكُرِّمت بوضع نجمة باسمها في ممر الشهرة في هوليوود في عام 1960.
ولكن، كل هذا المشوار السينمائي الحافل، وكل هذا الجمال الرباني الباهر، وكل هذا الحضور الطاغي على الشاشة، لم يمنعها من أن تكون عالمة ومخترعة صُنِّفت من بين أهم العالمات في تاريخ الإنسانية. تحتفل ألمانيا والنمسا وسويسرا أيضًا كل عام بعيد ميلادها الذي يوافق 9 نوفمبر، إذ أطلقوا عليه «يوم المخترع»؛ تكريمًا لإنجازاتها العلمية.
فعندما كانت هيدي لامار تقطن في ولاية كاليفورنيا، كان جارها الملحن الموسيقي المعروف جورج أنثيل. وخلال الحرب العالمية الثانية، عملا معًا على ابتكار ما أسموه «نظام الاتصالات السري». كان هذا عبارة عن وسيلة لتغيير الترددات اللاسلكية للحول دون نجاح الأعداء من فك تشفير الرسائل. وقد صُمِّم هذا النظام أساسًا لمواجهة النازيين؛ ففي هذه الحرب، كانت هناك مشكلة تتعلق بأن الطوربيدات الموجَّهة بالراديو لم تكن تحقق نجاحًا في إصابة الأهداف. لذا، اعتقدت هيدي لامار أن نظام الاتصالات الجديد سيجعل من الصعب اكتشاف الطوربيد ومعرفة إشاراته؛ وقد أصبح هذا النظام لاحقًا عنصرًا مُهمًّا للحفاظ على أمن الاتصالات العسكرية.
في عام 1942، حاز كل من أنثيل ولامار براءة اختراع عن ابتكارهما الذي يقوم على فكرة تصميم نظام اتصالات لاسلكي يصعب اختراقه والتنصت عليه. تعتمد الفكرة على تغيير تردد الموجة اللاسلكية الحاملة للإشارة بطريقة شبه عشوائية، بحيث يصعب على أي طرف ما عدا المـُرسِل والمستقبِل تتبع الأمر. وأطلق على هذه الطريقة مصطلح «القفز الترددي». ومع ذلك، واجهت النسخة الأولى من هذا النظام معارضة شديدة من البحرية الأمريكية، ولم تُستخدم في تلك الفترة. واستمر الحال على ما هو عليه حتى عام 1962، حين قررت البحرية الأمريكية أخيرًا استخدام النظام في حصار كوبا، وذلك بعد انتهاء صلاحية براءة الاختراع بحسب القانون الأمريكي.
إلا أن هيدي لامار اضطرت إلى الانتظار لأكثر من ثلاثين عامًا أخرى حتى تلقى التقدير والاعتراف المناسبين لحجم إنجازها العلمي. فقد حظيت في عام 1997 بتكريم مؤسسة Electronic Frontier Foundation (مؤسسة الحدود الإلكترونية)، التي منحتها الفضل في المساهمة في هذا الاختراع. وفي الوقت الحالي، يُعدُّ النظام الذي ابتكرته لامار بالتعاون مع أنثيل بمنزلة حجر الأساس لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة القائمة على استخدام تقنية «الطيف المنتشر»، وهي الفكرة نفسها الكامنة وراء اختراع تقنية البلوتوث، وشبكات الواي فاي، ونظام النفاذ المتعدد بالتقسيم الكودي CDMA، الذي يتحول به الهاتف المحمول إلى مذياع، وتلفاز، وحاسوب، ومفكرة، وحافظة بيانات.
هكذا، سطرت هيدي لامار اسمها في عالمين مختلفين تمامًا، قد تجمعهما صلة غير مباشرة. فقد يخدم العلم والتكنولوجيا الإنتاج الفني، وقد يروج الإنتاج الفني للعلم ومنجزاته، إلا أن الجمع بينهما كما في حالة هيدي لامار هو أمر فريد وغير متكرر. إن أحدًا لم ينسَ هيدي لامار الممثلة الفاتنة، ولا هيدي لامار المخترعة؛ فهي بمنزلة أيقونة للجمال والعلم تلهم الأجيال القادمة جميعها. فلا شيء يقف أمام الإبداع، ولا شيء يساوي تعدُّد مواهب الإنسان، ولا تركه إرثًا مفيدًا تستثمره الإنسانية من بعد رحيله لأعوام طوال.