الزراعة والحضارة

شارك

فقط مع استحداث الزراعة صنع البشر حضارة إنسانية. فقد نأى الإنسان حينها بنفسه عن حياة البرية التي طاف فيها بحثًا عن الطعام من شروق الشمس لغروبها، وعاش في الكهوف، وطارد الوحوش أو هرب منها، وظلَّ خلالها جائعًا وقلقًا بشأن العثور على وجبته التالية. فبفضل الزراعة، أصبح بمقدورنا الآن تكريس وقت وطاقة وفيريْن لتشييد مدن عظيمة، وإبداع الفنون والآداب، والتفكر في الأمور الدينية. الزراعة - إذًا - سمة مميزة للإنسانية، وهي سابقة لكل ما حققته من إنجازات.

قامت حضارات وانهارت مرة تلو أخرى، في أماكن وأزمنة مختلفة، وبقيت بعضها أطول كثيرًا من بعضها الآخر. والشرطان اللازمان لقيام الحضارة هما قدرة الإنسان على إنتاج الطعام بكميات وفيرة وتنظيمه. فإنتاج كميات كبيرة من الطعام يسمح بزيادة الكثافة السكانية، ذلك إن تم تنظيم هذه العملية بكفاءة.

وفي الفترة من عام 8.000 إلى 3.000 قبل الميلاد، تمركزت أول القرى التي استقرت ومثَّلت حضارات كاملة في الشرق الأوسط، والأناضول، والصين، والهند، وإيران، وباكستان. ومن الخطوات الهامة التي اتخذها الإنسان نحو إقامة الحضارة: الري، ودولة المدينة، والتجارة، وصنع الأدوات المعدنية، والكتابة.

ليس الأمر بصدفة محضة أن تمثِّل أودية الأنهار؛ مثل: النيل، ودجلة، والفرات، والسند، والأصفر، مهاد الحضارات. فكان معروفًا أن الأراضي المحيطة بهذه الأنهار خصبة؛ حيث عملت طبقات التربة الجديدة التي تخلفها فيضانات الأنهار كل عام على تغذيتها. غير أن هذه الأودية لم تكن نافعة لأوائل المزارعين الذين لم يتمكنوا من السيطرة على هذه الفيضانات أو الاستفادة منها. فقيام الحضارة يتلخص جزئيًّا في معرفة كيفية التحكم في تلك الأنهار ومعرفة صلاحية الأرض للزراعة. وهكذا، نجد أن الكثير معروف عن تاريخ الحضارات التي قامت حول دجلة، والفرات، والنيل، بعكس حضارات أخرى؛ حيث تمت زراعة هذه الأودية بكثافة.

تبقى حقيقة وجود أنظمة للري في هذه الحضارات دليلاً على وجود حكومات ومؤسسات؛ وذلك بالرغم من ظهورها قبل ظهور الكتابة. فبمجرد فهم عملية الري وتفعيلها، ازدهرت عملية إنتاج الغذاء على ضفاف الأنهار، مما جعل هذه الأودية الأغنى، والأكثر في عدد السكان على سطح الأرض. وقد جعلت ثروات هذه المناطق النسبية مجالاً للتخصص المهني، وأتاحت فترات للراحة، ولظهور الفنون، ولإدراك الحاجة لاتخاذ إجراءات دفاعية.   

وقد لعبت العديد من النباتات المزروعة أدوارًا رئيسة غيرَّت من مجرى التاريخ، والتي قد نكون على علمٍ ببعضها. وإليك فيما يلي بعض الأمثلة الشائقة:

  • ظهرت الحاجة لإنشاء البنوك نتيجة لتجارة الفلفل الأسود.
  • استخدم نبات القنب في تصنيع الورق الذي كُتب عليه إعلان الاستقلال الأمريكي.
  • تُصنَّع الأزياء المقاومة للحريق من أشجار الكافور. 
  • تتطلب صناعة بلوزة حريرية واحدة إطعام دود القز 4.000 كجم من أوراق التوت.
  • إن تتبعنا جذور الثورة الفرنسية، فإننا سنعود إلى محصول قمح هزيل لا يكفي لسدِّ حاجة سلعة بأهمية الخبز.
  • غير الأفيون من تاريخ الصين.
  • يستخدم الصبار الأمريكي في صناعة الرصاص.

المراجع

www.ranprieur.com
allanbecker-gardenguru.squarespace.com
www.angelfire.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية