المقالات

هل ترى النساء ألوانًا أكثر من الرجال؟

شارك

الورد أحمر والبنفسج أزرق؛ أم هو غير ذلك؟ فالألوان التي تراها ليست بالضرورة الألوان التي يراها غيرك. فيمكن للإنسان العادي أن يرى مليون لون مختلف، ولكن يزعم العلماء أن نسبة بسيطة من النساء لديهن القدرة على رؤية ألوان تفوق ذلك العدد مائة مرة.

لقد شَكَّت النساء في ذلك الأمر منذ زمن، والآن توجد دراسة حديثة تؤكد أن للرجال فرصة أكبر في المعاناة من التفرقة بين درجات الألوان؛ فمن بين كل 12 رجلاً يكون أحدهم مصابًا بعمى الألوان، في حين أنه من بين كل 255 امرأة تكون واحدة مصابة بعمى الألوان. ويعتقد الباحثون بجامعة نيو كاسل أن هناك بعض النساء اللائي يستطعن التمييز بين 99 مليون لون أكثر من الشخص العادي.

وتعتبر حاسة البصر واحدة من أكثر الحواس تعقيدًا، فاستقبال العين للألوان يتم بواسطة خلايا بصرية تعرف بالخلايا المخروطية، يسمح كل منها برؤية حوالي مائة درجة لونية. والأشخاص المصابون بعمى الألوان لديهم نوعان فقط من الخلايا المخروطية، ويطلق عليهم اسم "ذوو الرؤية ثنائية اللون".

تستطيع كل خلية من الخلايا المخروطية الثلاثة التقليدية المسئولة عن التمييز بين الألوان في شبكية العين – الأزرق، والأخضر، والأحمر – التمييز بين حوالي مائة درجة مختلفة من درجات الألوان، وذلك هو تقدير الدكتور جاي نيتز، الباحث المخضرم في مجال رؤية الألوان بكلية الطب بجامعة ويسكنسون. مع ذلك، يقول نيتز إنه يمكن للمخ أن يقوم بجمع تلك الاختلافات ومضاعفاتها؛ حيث يستطيع الشخص العادي التمييز بين حوالي مليون درجة مختلفة من الألوان.

ويقول دكتور نيتز، والذي يقوم بإجراء أبحاثه بالتعاون مع زوجته مورين، إن النساء وحدهن لديهن القدرة على رؤية خارقة للألوان. والسبب وراء ذلك هو أن الجينات المسئولة عن الأصباغ في الخلايا المخروطية الخاصة باللونين الأخضر والأحمر تكون في الكروموسوم إكس (X)، والنساء وحدهن لديهن كروموسومان إكس (X)، مما يخلق فرصة لتنشيط أحد مخاريط اللون الأحمر على أحد الكروموسومين وتنشيط النوع الآخر من مخاريط اللون الأحمر على الكروموسوم الآخر. وفي بعض الحالات القليلة، يمكن أن تتمتع بعض النساء بنوعين مختلفين من مخاريط اللون الأخضر على كل من كروموسومي إكس (X).

كما يقول الدكتور نيتز فإنه من غير المحتمل أن تتمتع جميع النساء اللائي لديهن أربعة أنواع من الخلايا المخروطية برؤية خارقة للألوان، وذلك لأنه في حالة الكثير منهن سيكون زوج المخاريط الحمراء لديهن متقاربين جدًّا من بعضهما من حيث الطول الموجي مما يجعل رؤيتهما للألوان لا تختلف كثيرًا عن رؤية شخص ذي رؤية ثلاثية الألوان. وقد رجح أن نسبة 2% إلى 3% من نساء العالم يمكن أن يكون لديهن نوع رابع من المخاريط، والذي يقع بين المخاريط الحمراء والخضراء التقليدية، وهو الذي يمنحهن تنوعًا لونيًّا خارقًا.

لكن العثور على شخص "ذي رؤية رباعية الألوان" من خلال الفحص الجيني أمر، وإثبات قدرة ذلك الشخص على رؤية عشرات الملايين من الألوان الإضافية أمر آخر. ولقد عثرت مجموعة بحثية ترأسها جابريال جوردان من جامعة نيو كاسل ببريطانيا العظمى على شخص "ذي رؤية رباعية الألوان".

ولقد بدأت الدكتورة جوردان بالعمل عكسيًّا، بدءًا بمجموعة من الأولاد المصابين بعمى الألوان ورجوعًا إلى أمهاتهن. فحوالي 8% من رجال العالم مصابون بخلل في التمييز بين الألوان، وهو المصطلح الذي يفضله الباحثون للإشارة إلى داء "عمى الألوان". فيرث معظم الرجال المصابين بذلك الداء زوجين من المخاريط الحمراء أو الخضراء إلى جانب المخروط الأزرق مما يجعل من المستحيل عليهم التمييز بين الأحمر والأخضر.

استخدم فريق الدكتورة جوردان اختبارات الرؤية لتحديد أكثر من مائة طالب بمنطقة نيو كاسل مصابين بخلل في التمييز بين الألوان. وقد كانت الدكتورة على علم بأن أمهات الطلاب لديهن إما زوجان من المخاريط الحمراء وإما زوجان من المخاريط الخضراء، وهي الآن في مرحلة اختبار هؤلاء النسوة لترى من منهن "ذات رؤية رباعية الألوان خارقة".

وللعثور على تلك المرأة ابتكرت الدكتورة جوردان اختبارًا ذكيًّا. فتقوم كل امرأه بالنظر في جهاز بصري يقوم بعرض ثلاثة أقراص صغيرة بتتابع سريع؛ حيث يكون لاثنين من تلك الأقراص طول موجي برتقالي، والثالث به مزيج شبه متساوٍ من الأحمر والأخضر، ولا يتم إخبار السيدات الفرق بينها.

لقد استنتجت الدكتورة جوردان أن النساء اللائي لديهن زوجان من المخاريط الحمراء المختلفة سيمكنهن رؤية الأقراص التي بها مزيج من اللونين الأحمر والأخضر وتمييزها عن الأقراص البرتقالية. ومن بين العشرين سيدة اللائي تم إجراء الاختبار عليهن حتى الآن، واحدة فقط هي التي استطاعت أن تميز القرص ذا المزيج الأحمر والأخضر من بين الأقراص البرتقالية الأخرى بسرعة وبدقة في كل مرة. وتقوم الدكتورة جوردان الآن بإجراء اختبارات جينية على لعاب تلك السيدة لتحديد ما إذا كان لديها مخاريط حمراء مختلفة.

وقالت الدكتورة جوردان أن المرأة ذات الرؤية رباعية الألوان، والتي لم يتم تعريفها حتى الآن، هي طبيبة تقيم بمقربة من نيو كاسل. ولقد استنتجت جوردان أنه بالنسبة لطبيبة فإن القدرة على الرؤية الخارقة للألوان تمكنها من معرفة ما إذا كان الإنسان مريضًا أم لا بمجرد ملاحظة التغير الطفيف في درجة لون الجلد، وهو الأمر الذي لا يستطيع الطبيب العادي ملاحظته.

بناءً على تقديرات الدكتور نيتز، فيمكن أن يكون هناك 99 مليون سيدة في العالم لديها القدرة على رؤية رباعية الألوان. وعلى الرغم من ذلك، فقبل أن يتباهين بقدراتهن الخارقة من الضروري أن نلاحظ أن هذه الميزة التي بدأ يتمتع بها البشر مؤخرًا تتميز بها الطيور والبرمائيات والزواحف منذ دهور.

فتلك المخلوقات تتمتع بهذه القدرة منذ زمن بعيد، ولكن الفرق أن النوع الرابع من مجسات الألوان لديها يقع في النطاق فوق البنفسجي عالي التردد، وذلك يفوق ما يراه البشر. وفي الواقع، سمح ذلك الاكتشاف للعلماء بتحديد سبب عدم تمتع ذكور بعض فصائل الطيور بريش ذي ألوان أكثر بهاءً ظاهريًّا من ريش الإناث، وذلك نقلاً عن الدكتور نيتز. ولقد أضاف أن المشكلة في المشاهدين وليس الطيور؛ فعندما تم النظر إلى تلك الفصائل من خلال مجسات فوق البنفسجية وجد أن للذكور ريشًا مختلفًا كثيرًا عن ريش الإناث.

وبالمثل، يقول الدكتور نيتز إن أعيننا لا تستطيع رؤية العالم مثلما يراها شخص ذو رؤية رباعية الألوان، ولذلك لا يوجد وسيلة لمعرفة المزايا التي يتمتع بها الأشخاص ذوو الرؤية رباعية الألوان.

هناك الكثير من الأشياء في العالم التي تختلف فيزيائيًّا عن بعضها والتي لا يمكن للشخص العادي ذي الرؤية ثلاثية الألوان التفريق بينها، ولكن بالتأكيد فإن أية سيدة ذات رؤية رباعية الألوان يمكنها ملاحظة تلك الفروقات.

*المقال منشور في نشرة مركز القبة السماوية العلمي، عدد الفصل الدراسي الثاني 2012/2013.

المراجع

indianexpress.com
huffingtonpost.com
post-gazette.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2019 | مكتبة الإسكندرية