الضوء الشافي

شارك

في البداية عبد عديد من الحضارات العتيقة الشمس؛ وذلك ليس لما بدت عليه من طاقة وقوة فحسب، ولكن أيضًا لصفاتها العلاجية. ومع تداعي الحضارات القديمة، لم تختف عبادة الشمس فحسب، بل تضاءلت أيضًا المعرفة بقواها العلاجية.

وحديثًا، عوضًا عن عبادة الشمس ذهب العلماء في الاتجاه المعاكس تمامًا، محذرين من مخاطر التعرض إليها. إلا أنه في السنوات الأخيرة ظهرت دراسات عدة تتحدى مبدأ معاداة الشمس؛ فعلى الرغم من أن المخاطر لا تزال موجودة، فإن فوائد التعرض إلى كمية معقولة من ضوء الشمس قد تقلل من كفة الخطر.

العلاج الضوئي للحالات الجلدية

بينما تعمل الأطوال الموجية المختلفة على علاج حالات مختلفة، فإن العلاج عادة ما يكون عن طريق حزمة ضيقة من الأشعة فوق البنفسجية "ب" (UVB)، وهو الطول الموجي الأكثر أمانًا ونجاحًا. والمعالجة الضوئية تمحو الحاجة إلى استخدام مراهم الكورتيزون أو أية علاجات نظامية أخرى ذات تأثير سلبي على الجسم.

والأمراض الجلدية المزمنة مثل الصدفية قد تكون موهنة لعديد من المرضى؛ فهي غالبًا ما تتسبب في الالتهاب، والحكة، والألم. ومن المعروف أن تعريض المناطق المصابة لضوء الشمس يساعد على علاج تلك الأمراض، إلا أنه يصعب متابعة التحسن؛ حيث يحدث ذلك خارج عيادة الطبيب. فتحوز العلاجات الضوئية الإكلينيكية باستخدام مصادر الأشعة فوق البنفسجية الاصطناعية على مزيد من الشعبية؛ حيث ثبت نجاحها في معالجة عديد من الحالات الجلدية؛ بما في ذلك الصدفية، والأكزيما، والبهاق، وتصلب الجلد.

بما أن الاستجابة المناعية الذاتية تتسبب في عديد من تلك الأمراض، يعمل العلاج بضوء الأشعة فوق البنفسجية من خلال تقليل الاستجابة الالتهابية للجهاز المناعي؛ وذلك باختراق الجلد وإبطاء عملية إنتاج الخلايا المتسببة في الآفات المرتبطة بأمراض الصدفية والأكزيما – مقللة من الحكة – وبإعادة إصباغ مناطق الجلد التي فقدت صبغتها في حالة البهاق.

ويوجد نوعان من المعالجة الضوئية: المعالجة الضوئية غير الموجهة، والمعالجة الضوئية الموجهة؛ حيث يتم توجيه الضوء على منطقة محددة من الجلد. ويتم توجيه المعالجة الضوئية الموجهة حاليًّا عن طريق ليزر، أو مصباح غاز عنصري، أو ضوء صمامي؛ حيث يتم تطبيقه في عيادة الطبيب على الجلد المصاب فقط، وليس الجسم بأكمله، مما يحمي الجلد السليم من المخاطر الصحية للأشعة فوق البنفسجية.

العلاج الضوئي للاكتئاب

سواء عانينا من الاكتئاب أم لا، يشعر الجميع بالتحسن عند ظهور الشمس؛ وذلك الأمر الذي عرفه الناس فطريًّا قد فسره العلم في العقدين المنصرمين. فأظهرت الدراسات أن المخ ينتج مزيدًا من المادة الكيميائية المحفزة للمزاج المعروفة باسم "السيراتونين" في الأيام المشمسة عن الأيام المظلمة. والسيراتونين هو نفس الموصل العصبيى الذي تحفزه العلاجات المضادة للاكتئاب المعروفة؛ فيخفف من التوتر ويثير شعورًا عامًّا بالسعادة.

إلا أن ضوء الشمس – أو الضوء الساطع تحديدًا – أكثر وفرة وأمنًا، وكذلك أسهل في الامتصاص من أي مضاد آخر للاكتئاب؛ فيتم استخدام الضوء الساطع كعلاج للاكتئاب الشتوي منذ أكثر من عقدين. وفعالية الضوء في علاج الاكتئاب الشتوي، وهو ما يعرف بالاضطراب العاطفي الموسمي، تدعمه عديد من الدراسات.

كما ظهر مؤخرًا نجاح العلاج بالضوء في علاج حالات أخرى، بما في ذلك اضطرابات النوم وأنواع أخرى من الاكتئاب غير المتصلة بالتغيرات الموسمية؛ حيث أظهرت الأبحاث أن معدل إنتاج السيراتونين في المخ متصل مباشرة بفترة الإضاءة الشمسية الساطعة بغض النظر عن الموسم.

يجلس المريض بالقرب من جهاز يدعى "صندوق الضوء" يقوم بإصدار ضوء شديد؛ حيث يحاكي ضوء الشمس الطبيعي مع وجود بعض الاختلافات. وتقاس كمية الضوء المستخدم في المعالجة بوحدة تدعى الـ"لكس"؛ حيث يكون مُخرَج صندوق الضوء القياسي ما بين 2500 لكس و10.000 لكس.

العلاج الضوئي للألم ومداواة الجروح

عندما تحدث إصابة ما، يكون الألم هو رسالة المخ للجسم للتعرف على الإصابة. وبينما تقدم مسكنات الألم بعض الراحة المؤقتة من الشعور بالألم، فإنها لا تقوم سوى بتغطية الأعراض عوضًا عن مداواة مصدر الألم. فحازت المعالجة الضوئية، وبالأخص العلاج الضوئي منخفض المستوى على الاهتمام في السنوات الأخيرة بصفتها أسلوبًا علميًّا جديدًا من التطبيقات العلاجية في تعجيل مداواة الجروح وتخفيف الألم.

لقد أظهرت التجارب الإكلينيكية والدراسات المعملية أن العلاج الضوئي منخفض المستوى له آثار مُصلِحة لأنسجة الجلد، والأوتار، والعضلات، والعظام، والأعصاب، والنخاع الشوكي، وقشرة الدماغ. كما أن له آثارًا مضادة للالتهابات ومسكنة للآلام جيدة جدًّا؛ وكذلك يحسِّن من أداء الأعضاء السليمة مثل المخ والعضلات، التي يكون له تأثير خلوي وقائي عليها.

وبينما يعتبر العلاج الضوئي آمنًا وغير غازي، فهناك بعض الآثار الجانبية للعلاج، بما في ذلك الصداع وسفعة الشمس، غير أنها ليست خطرة بصفة عامة؛ فيمكن التعامل مع معظمها بتعديل فترات الجلسات وكثافتها.

المراجع

healthline.com
livestrong.com
nationaleczema.org
ncbi.nlm.nih.gov
osa.org
webmd.com
womenshealthmag.com


*المقال منشور في مجلة كوكب العلم المطبوعة، عدد صيف 2015.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية