لغز الحضارة الإنسانية – الحلقة الخامسة

شارك

تغمرك سعادة كبيرة عند سماعك هذا العرض السخي من تلك الكائنات بأنهم سيعطونك أسرارهم طواعية. فقد قال لك البدين جدًّا: "ولكننا يا صديقي اتفقنا فيما بيننا الآن أن نعطيك سرنا، ولكن تحت شرط واحد". يقفز إلى ذهنك تساؤلات متداخلة بعد هذا الكلام: من أين جاءوا؟ ولماذا اختاروك أنت بالذات؟ هل زاروا أحدًا قبلك؟ ما هذا الذي يحدث لي؟ وما هذا الشرط؟ كم الساعة الآن؟

ولكن يقطع استمرارك في الحيرة واستباق الأحداث كلام الكائن الطويل جدًّا لرفيقه البدين جدًّا: نعم يا صديقي، ولكن هذا الاتفاق مشروط بأن يدلنا هو على مكان نخاطب منه أهل هذا الكوكب، وهذا هو شرطنا الوحيد. تعود إلى تساؤلاتك من جديد، وتوجه كلامك إليهم قائلًا: لقد أصبحت الآن داخل أحد أفلام الخيال العلمي وأريد أن أنهي ما أنا فيه الآن. فعلى الرغم من أننا في عام 2015، فإنني في غرفتي وأتحدث مع كائنات فضائية يطلبون طلبًا غريبًا. بالله عليكم من سيصدقني؟ ولماذا تريدون مخاطبة أهل الكوكب؟

يرد عليك البدين جدًّا، وهو مستند على ظهر القصير جدًّا وينظر بدهشة إلى الطويل جدًّا: هل قال إننا في عام 2015؟ وهل قال بالله عليكم؟ يجيبه الطويل محركًا كتفيه هو الآخر، راسمًا نفس علامات الدهشة على ملامحه: أظنه قال ذلك. فينطلق القصير جدًّا بسؤاله إليك؟ من قال إننا في عام 2015؟ نحن في عام 3115، ثم ما معنى بالله عليكم هذه؟ نحن لا نعرف كلمة الله.

يسود صمت غريب بعد كلام القصير جدًّا؛ فأنت لا تتخيل فعلًا ما قاله. تحرك يديك بعد هذا الصمت، وتشير ناحية الباب بما يفيد طلبك منهم بأن يغادروا غرفتك؛ فيقوم ثلاثتهم بنفس الحركة ويشيرون في نفس الوقت وبنفس الكيفية ناحية الباب. إذًا، فهم لم يفهموا إشارتك ولم يفهموا معناها. فتقول لهم بثبات: من فضلكم أرجو أن تغادروا غرفتي الآن وبسلام؛ فأنا لم أعد أريد الاستمرار في هذا الأمر. فما كان من الطويل جدًّا إلا أنه اقترب منك بمسافة قصيرة قائلًا: ما الذي أغضبك هكذا؟ ولماذا تريدنا أن نغادر؟ لقد كنت معنا منذ قليل مُرحبًا ودودًا، ونحن نراك إنسانًا جيدًا. هل أصبحت الآن خائفًا منَّا؟ تعود إلى الوراء مبتعدًا عنه، وترد: نعم، وخصوصًا بعد قول صديقك هذا إننا في عام 3115، وإنكاره لوجود الله".

 يرد عيك القصير جدًّا: نحن حقًّا في عام 3115، وأنا لم أنكر وجود الله الذي تتحدث عنه، أنا قلت نحن لا نعرفه. ثم يدير وجهه للبدين جدًّا الذي يكمل: هل من الضروري لديك أن نكون على معرفة بالله؟ وهل من الضروري أن نتفق في أي عام نحن، سواء كنا كما قلت "إننا في عام 2015، أو كما قلنا نحن عام 3115؟

ترد عليهم بثبات: لقد كنتم على وشك أن تمنحوني الإجابة عنكم وعن المكان الذي جئتم منه وكنتم كذلك على وشك أن تعطوني سركم؛ ولكن فيما يبدو أنكم لا تفهمون أولويات الحياة وضروراتها على كوكبنا. فأرجو أن تفهموا أنني أخبركم بأمر هام؛ نحن هنا على كوكبنا لا نستطيع الحياة بدون أشياء مهمة اتفقنا عليها فيما بيننا – نحن سكان هذا الكوكب – ونعتبرها من أساسيات الحياة، ومنها معرفة التاريخ والوقت، ومعرفة الزمن. فعندما يقول صديقك إننا لسنا في عام 2015 لابد لي أن أخاف منكم.

يرد عليك البدين بهدوء: آه، لقد فهمت يا أصدقائي، فسكان الأرض هنا وبناء على كلامه يقيسون الوقت بطريقة مختلفة عنا فهم الآن في عام 2015، أما نحن ففي عام 3115؛ ثم يوجه كلامه إليك: نحن مثلك يا صديقنا العزيز، لا يمكننا الاستغناء عن معرفة الوقت والتقويم، ولكننا جئنا من مكانٍ التاريخ فيه هو عام 3115؛ فالوقت عندنا ضروري وأساسي لمتطلبات حياتنا، نحن الآخرين.

ولكن ما الضروري لحياتنا في معرفة الله؟ ترد عليه: أنا في الحقيقة لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال بالنسبة لكم. ولكن دعوني أخبركم بأن من سكان كوكبنا – كذلك – أناسًا لا يعرفون الله ولا يعتبرون ذلك شيئًا من ضرورات حياتهم، ولكن الغالبية العظمى تصدق به وبأنه موجود على الرغم من أننا هنا نعرفه بطرق مختلفة ونعبده بأساليب متباينة وتحت أسماء مختلفة كذلك؛ فمنَّا يهود ومنَّا نصارى ومنَّا مسلمون. وهذه الطرق المختلفة تسمى "دينًا"، والغالبية ممن لهم "دين"، تعتبر وجود الله والتحبب إليه وعبادته من أهم ضرورات الحياة.

تنظر إليهم وهم يسمعون إليك باهتمام ولا توجد على وجوههم أية تعبيرات فتكمل كلامك: ضرورات الحياة على كوكبنا مختلفة من وقت لآخر. فنحن مثلًا في عامنا هذا عام 2015 عندنا – أو 3115 عندكم – من ضرورات الحياة الكهرباء، والإنترنت، والموبايل، وبعض وسائل التكنولوجيا الأخرى. ولكن على أجزاء أخرى من الكوكب – وللأسف – هذه الأشياء تعتبر من الكماليات، وليست من الضرورات. والعلم والمعرفة كذلك عاملان مشتركان في كل العصور؛ من أجل الحصول على موارد الحياة الأساسية الأخرى كالطعام، والماء، والهواء، والصحة، والحفاظ على البيئة، و.....

ثم تسكت فجأة وتكمل مستدركًا: ولكن يا ترى ما أساسيات أو ضرورات الحياة عندكم؟ فلا تجد أي تعبير ولا أية حركة أو إيماءة من أحد منهم، وتجد صمتًا مبالغًا فيه.

رسوم محمد خميس.

الحلقة منشورة في مجلة كوكب العلم، عدد شتاء 2015.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية