حامي البيئة مصطفى طلبة؛ إرثًا مصريًّا

شارك

أرض تنعم بمناخ معتدل وطبائع متنوعة من بحار وصحاري، إلى أنهار وأراض زراعية، تلك هي مصر؛ فهي تنعم ببيئة رائعة الجمال. قد لا يرى قاطنو المدن سوى ركام السيارات المعدني وأبراج الأسمنت متناهية الارتفاعات، إلا أنه بالنظر إلى الصورة الكاملة، نجد أن الطبيعة غنية لمن يبحث عنها.

مع ذلك فإن ذلك الجمال الذي يذهلنا قد تعرض للخطر بشكل هائل خلال العقود القليلة المنصرمة مع زيادة الصناعة وعدم الاهتمام بالاستدامة؛ الأمر الذي أثر على الكوكب بصورة سلبية. فكل يوم يشهد أفعالًا رديئة تضع بيئتنا في مزيد من الخطر؛ إلا أن هناك من يدقون ناقوس الخطر في محاولة لاتخاذ خطوات إيجابية نحو الدفاع عن البيئة. أحد هؤلاء المدافعين أتى من مصر، وهو مصطفى طلبة.

ولد مصطفى طلبة في عام 1922 بمحافظة الغربية، وقد درس علم النبات في جامعة القاهرة؛ حيث تخرج فيها عام 1943. دون أن يضيع الوقت، حصل مصطفى على الدكتوراه من إمبريال كوليدج بجامعة لندن في عام 1948؛ ومن ثم أصبح أستاذًا لعلم الأحياء المجهري بمركز الأبحاث القومي. لقد كان لمصطفى طلبة مشوار أكاديمي لامع، كما كان كاتبًا وباحثًا غزير الإنتاج؛ حيث نشرت له أكثر من 100 ورقة بحثية علمية رئيسية في الدوريات الدولية.

ليس ذلك فحسب، لقد خدم مصطفى طلبة أيضًا بصفة سكرتير عام المجلس العلمي القومي المصري، وكذلك بصفة رئيس الأكاديمية المصرية للعلوم والأبحاث والتكنولوجيا. إلا أن أكثر ما سلط عليه الضوء هو إسهامه في مؤتمر إستوكهولم عام 1972؛ حيث قاد الوفد المصري. فلطالما اهتم بصناعة السياسات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلم والسياسة في ذات الوقت.

بفضل ذلك المؤتمر تم وضع برنامج الأمم المتحددة البيئي؛ حيث أصبح مصطفى طلبة نائبًا لمديره التنفيذي، ومن ثم المدير المتنفيذي للبرنامج. وقد أثبت أنه أهل بتلك المسئولية التي حملها على عاتقه ما بين عامي 1975 و1992؛ فعلى مدى سبعة عشر عامًا دعا مصطفى للإصلاح والتغيير فيما يخص معاملتنا لكوكبنا. وقد عبر عن قلقه من قصر نظر البعض المهتمين فقط بالربح متناسين المناهج المستدامة؛ كما كرس نفسه لحماية البيئة ودعا المجتمع الدولي للعمل معًا، وتخطي الخلافات السياسية، وعدم تركها تعرقل العمل الجماعي عندما يتعلق الأمر بالأمور البيئية.

كتب مصطفى طلبة العديد من المقالات، وكانت له أعمال منشورة متنوعة. في مقدمة كتبها لكتاب بقلم سلوى جمعة تحت اسم "صناعة السياسة البيئية في مصر" قال: "لا يمكن تحقيق الهدف من التنمية المستدامة دون التغيير الجذري في طرق تخطيط المبادرات التنموية وتنفيذها. تلك التغيرات لن تحدث إلا إذا وجدت تغيرات مماثلة في تصرفاتنا نحو الأمور البيئية. ولن تأتي تلك التغيرات إذا لم نتوقف عن اعتبار البيئة ومواردها الطبيعية أمرًا مفروغًا منه، كما لن تأتي إذا لم نعتبر حماية البيئة والأمن البيئي أجزاءً أساسية من الأمن القومي والدولي. كذلك لن تنجح المخططات التنموية السليمة بيئيًّا دون مشاركة الشعوب والشعور بالمسئولية الفردية".

في عام 1988، أبرمت اتفاقية تاريخية لحماية طبقة الأوزون؛ تلك هي بروتوكول مونتريال. وطبقة الأوزون هي حزام من غاز الأوزون الذي يتكون بشكل طبيعي، وتحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية "ب" الضارة الآتية من الشمس. وفي منتصف ثمانينيات القرن المنصرم، تأثرت طبقة الأوزون فوق المحيط القطبي الجنوبي بشكل كبير جرَّاء التلوث؛ الأمر الذي أدى إلى استنفاذها، مما جعلنا عرضة لأشعة الشمس الضارة. والسبب وراء ذلك هو انبعاث الكيماويات المصنعة المحتوية على الكلورين و/ أو البرومين؛ فعندما تسطع الشمس لفترات طويلة أثناء النهار، يتفاعل الكلورين المنبعث في الغلاف الجوي مع أشعة الشمس فوق البنفسجية، وهو التفاعل الذي يدمر طبقة الأوزون.

أثناء المفاوضات الخاصة ببروتوكول مونتريال أظهر مصطفى طلبة كيف يمكن للمعرفة العلمية المقترنة بمهارات التفاوض تقديم خطوات إيجابية لحماية البيئة. وقد كانت لهذا البروتوكول الأسبقية؛ حيث كان الأكثر نجاحًا نحو حماية البيئية، وقد كان له جدول واضح نحو محو الكيماويات المستنفذة للأوزون على مستوى العالم. ولكن لم توقع جميع الدول في بادئ الأمر؛ إلا أنه بحلول عام 2009 كانت جميع الدول قد صدقت على بروتوكول مونتريال؛ مما يجعل منه المعاهدة البيئية الدولية الأولى التي تحقق تصديقًا كاملًا.

«على مر العقدين المنصرمين أصبح جليًّا أن مشكلات البيئة لا تنحصر داخل الحدود المحلية، ولكنها إقليمية، وكثيرًا ما يكون لها تأثير عالمي. لذلك فإن التعاون الدولي والشراكة العالمية أمر أساسي، ليس فقط لحماية البيئة، ولكن أيضًا لوضع العالم على طريق التنمية المستدامة». تلك كانت كلمات مصطفى طلبة التي كتبها عام 1997 ولا تزال واقعًا حتى يومنا هذا بعد قرابة العقدين.


المراجع
link.springer.com
books.google.com.eg
en.wikipedia.org
www.hogrefe.com
www.unep.org

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية