العرب وتنوير علم البصريات

شارك

كانت نظريات الرؤية وعلم البصريات من أكثر المواضيع التي اهتم العلماء القدماء بدراستها. فتبنى أشهر علماء الرياضيات مثل إقليدس وبطليموس نظرية الانبعاث؛ حيث اعتقدوا أن الرؤية تحدث نتيجة انعكاس الضوء المنبعث من عين الإنسان على الأجسام، فتقوم هذه الأشعة بمساعدة الإنسان على إدراك اللون، والشكل، والحجم. وعلى النقيض، نجد أن كلاًّ من أرسطو وجاليليو قد تبنى نظرية الولوج، التي تفترض أن الضوء ينتقل من الأجسام والبيئة المحيطة إلى العين، ومن ثَمَّ تحدث الرؤية.

وفي القرن الحادي عشر الميلادي، قام الحسن بن الهيثم - الطبيب وعالم الرياضيات والفلك - بتأليف كتاب مكون من سبعة مجلدات عن علم البصريات بعنوان «كتاب المناظر»؛ حيث شرح فيه نظريات الضوء وخصائصه المختلفة، بالإضافة إلى ظاهرة الرؤية. كما أنه شرح نظرياته الخاصة عن الضوء  مدعومة بالأدلة التجريبية؛ حيث استخدم منهجية البحث العلمي. فقدم ابن الهيثم نموذجًا رائدًا لتشريح العين مع شرح مستفيض لكيفية حدوث الرؤية وانتقال الضوء داخل العين البشرية.

كذلك تطرق ابن الهيثم في كتابه إلى نظرية الولوج؛ فأوضح أن الضوء يشع من مصدر خارجي (عن طريق الانعكاس أو الانكسار) ليصل إلى عين الإنسان، مما ينتج عنه حدوث الرؤية. وقام بتقسيم الضوء إلى نوعين: الأول هو الضوء الأساسي الذي ينشأ عن الأجسام المشعة ذاتيًّا، مثل الشمس، والنار، والشمع، والنجوم؛ وأما الثاني فهو الضوء الثانوي الذي يأتي من الأجسام التي تنقل الضوء من الأجسام المشعة ذاتيًّا.

قام الحسن بن الهيثم ببناء جهاز يُعرف بـ«البيت المظلم» بهدف استكشاف طبيعة الضوء. والجهاز عبارة عن حجرة مظلمة ومعتمة، يوجد بها ثقب صغير يمر من خلاله الضوء؛ فتعرض الصور مقلوبة على الحائط المقابل للثقب. وهو يشبه اختراع الكاميرا كثيرًا؛ حيث يُعد هذا الجهاز الأساس الذي بُني عليه التصوير الفوتوغرافي فيما بعد.

كما قام ابن الهيثم بدراسة نظرية الضوء والألوان، موضحًا كيفية انتقال الضوء من خلال الأجسام الملونة؛ حيث تسمح الأجسام الشفافة مثل الهواء والماء بمرور الضوء، في حين إن الأجسام المعتمة لا تسمح بذلك. وقد شرح كيف أن الأجسام تتراوح في درجات الشفافية والعتمة، ومن ثمَّ تختلف في درجات مرور الضوء. وبالإضافة إلى ذلك، عرض ابن الهيثم خصائص الضوء، مثل نظرية انكسار الضوء عندما يمر من خلال أوساط شفافة جزئيًّا أو العكس، ونظرية انعكاس الضوء عندما يصطدم بسطح أملس مثل المرايا.

تُرجمت معظم أعمال ابن الهيثم إلى اللغة اللاتينية بما في ذلك كتاب المناظر؛ مما ترك أثرًا عظيمًا في النهضة الأوروبية. فتأثر بكتاباته كثير من علماء أوروبا في العصور الوسطى وعصر النهضة، مثل روجر بيكون وجوهانيز كيبلر وليوناردو دافنشي. وقد أصبحت أعماله مرجعًا مهمًّا ومحلاًّ للدراسة لعدة سنوات؛ حيث عكف العلماء الأوروبيون على دراسة نظرياته وإعادة بناء أجهزته؛ مما نتج عنها اختراع عديد من الأدوات الحديثة التي لا غنى عنها إلى يومنا هذا، مثل النظارات الطبية، والعدسات المكبرة، والتلسكوبات، والكاميرات. وتُعد هذه الأدوات التي لا غنى عنها خير دليل على ريادة العرب في العلوم في تلك الفترة؛ حيث قدموا هدايا علمية ثمينة للعالم.


المراجع
lostislamichistory.com
www.elsevier.com
 

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية