​فك طلاسم الضوء

شارك

توصل الإغريق القدامى إلى بعض النظريات التي توضح ماهية الضوء، والتي فتحت الباب أمام العلماء لمحاولة فك طلاسمه. ولقد كان للعالم المسلم الحسن بن الهيثم الجهد الأوفر لمعرفة طبيعة الضوء وميكانيكية رؤية الأجسام، وجلا ذلك في كتابه «المناظر»، الذي تُرجم إلى اللاتينية خمس مرات. وكان لنظريته الفضل في اختراع الكاميرا بعد ذلك، ووضع على أساسها مبادئ علم جديد هو علم البصريات. 

ثم توقفت محاولات العلماء ردحًا من الدهر في البحث عن كينونة الضوء وماهيته حتى القرن السابع عشر، حين عاود العالم إسحاق نيوتن رحلة البحث عن أسرار الضوء وقدم نظرية حول الضوء عرفت باسم «النظرية الجسيمية»، التي تنص على أن الضوء هو حزمة من الجسيمات والذرات التي تسلك خطوطًا مستقيمة في حركتها وانتقالها. ودافع نيوتن عن نظريته بقوة وكان من فضلها معرفة أن الضوء يتحلل إلى ألوان عدة عُرفت بعد ذلك بقوس قزح. وبينت أن الضوء المرئي له حدود تتراوح من 400 إلى 700 نانو متر؛ وهو مجال الرؤية المحصور بين الموجات الأكثر طولًا (الأشعة تحت الحمراء) والأقل طولًا (الأشعة فوق البنفسجية). ولم تتوقف رحلة البحث عند نيوتن بل قدم الهولنديكريستيان هويجنز نظرية أخرى حول الضوء عرفت باسم «النظرية الموجية» أثبت فيها أن الضوء يسلك مسلك الموجات في حركته، وأنه أشبه ما يكون بالموجة المائية. 

ومنذ ذلك الحين، صار هناك أنصار لنيوتن يؤيدون فكرة النظرية الجسيمية وأنصار لهويجنز يؤيدون فكرة النظرية الموجية. وظل الصراع حول حقيقة الضوء على أشده قرابة مائة عام، حتى جاء العالم الألماني الشهير أينشتاين وقدم دراسة جديدة حول الضوء. وقد أثبت فيها أن الضوء يسلك في بعض التجارب مسلك الجسيمات، وأطلق على هذه الجسيمات اسم جديد وهو الفوتونات، التي تنطلق، وتزداد شدتها، وتضعف تبعًا لاستثارة الإلكترونات الذرية. والمسلك الآخر هو ما أثبته هويجنز؛ وهو أن الضوء يسلك مسلك الموجات التي يحدث تداخل فيما بينها عند قمتها وقاعها فيؤثر ذلك في شدته. ومنذ ذلك الحين، ظهرت نظرية جديدة حول الضوء عرفت بالنظرية الازدواجية للجسيمات الموجية. وكانت هذه النظرية هي رسالة الدكتوراه التي قدمها العالم لويس دي بروي.

وهكذا مهدت تلك النظريات الطريق أمام العلماء لدراسة انكسار الضوء وانعكاسه ودراسة نظرية الاستقطاب الضوئي للحدِّ من انعكاس الضوء المزعج في النظارات الشمسية ومرشحات الكاميرات.

ومصادر الضوء متنوعة، أشهرها المصادر الحرارية مثل الضوء المنبعث من الشمس، الذي يقطع الطريق إلى الأرض في مسافة قدرها ثماني دقائق وثلث الدقيقة الضوئية. وهناك ما يسمى بالضيائية الكيميائية؛ أي انبعاث الضوء من بعض المواد الكيمائية. وهناك ما يسمى بالضيائية الحيوية؛ وهي انبعاث الضوء من بعض الكائنات الحية كما في بعض الأسماك والأشجار، مرورًا بما يسمى بالظاهرة الفسفورية؛ وهي انبعاث ضوء فسفوري عند إثارة بعض المواد بشعاع.

وقدر العلماء الطول الموجي للضوء فكان 0.000001 م، وكانت هناك جهود مضنية من جاليلو الإيطالي، ورومر الدنماركي، مرورًا بالعالم هيبولت فيزو، ثم ليون فوكو، ثم ألبرت ميكلسون؛ وذلك لقياس سرعة الضوء بتجاربهم المتنوعة، حتى توصل العلماء نهاية أن سرعة الضوء الدقيقة تعادل (299.792.458 م/ ث).

نعم، هي رحلة طويلة بدأت في القرون الوسطى، ولم تنته أسرارها وعجائبها حتى اليوم!

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية