التنين النافث النيران

شارك

الأسطورة

منذ بداية الزمان والإنسان مفتون بالتنانين. فليس من بين المخلوقًات العظيمة، لا في الخيال ولا في الواقع الملموس، ما يمكن مقارنته بأفعى طائرة ضخمة ذات أسنان حادة تنفث النيران من بين فكيها؛ إنه وحش الوحوش، وأكثر الكائنات الأسطوريَّة قوة، والوهم الأكثر عالميّة الذي عرفته البشرية.

فمن تنين البحيرة الصيني الخيِّر الحكيم إلى التنين الأوروبي الشرير الآكل للفتيات، كلها كائنات مُلهمة ومُثيرة للرهبة أفرزتها جعبة أساطير الثقافات العالمية. ولأنها تُرَى بطرق كثيرة مختلفة، وإن كانت متشابهة في نفس الوقت، عبر العصور وفي كل مكان في العالم تقريبًا، فإن المرء يستطيع اعتبار التنانين ظاهرة ثقافية عالمية.

في أوروبا، التنانين زواحف شريرة مريعة نافثة للنيران، وهي ضخمة وشبيهة بالسحالي، لها ألسِنة متفرعة كشوكة الطعام وأجنحة كأجنحة الخفافيش. أما في ثقافات المكسيك وأمريكا الجنوبية القديمة، فكان يُعتقد في وجود أفعى إلهيَّة ذات ريش، معروفة بأسماء متعددة، تقوم بتجديد العالم بعد كل دورة من دورات الدمار.

وفي الشرق، التنانين كائنات برمائية تكمن في المحيطات، والبحيرات، والأنهار، بل وفي قطرات الأمطار أيضًا. وكانت تلك المخلوقات تُبجل بوصفها رموزًا واهبة للحياة، والثروة، والخصوبة، وقادرة على إطلاق الأمطار ونفث النيران لمعاقبة الأشرار. أما في مصر القديمة، فكانت الأفاعي الطائرة والتنانين المُجنحة مُمثلةً تمثيلاً جيدًا في آلهة قدماء المصريين؛ حيث تمثل كلٌّ من الإلهة مرت سجر (أفعى مجنحة) وأبيب (تنين أفعواني عملاق وإله شرير) التنانين في الأساطير المصرية.

على الرغم من أنَّ تصوُّر التنانين في الثقافات المختلفة يستحضر صورًا غير متشابهة في أذهاننا، فإن جميعها مرتبطة ببعضها دون شك. فبالرغم من صفاتها المختلفة، فإن جميعها تظل متشابهة بشكلٍ ما؛ فهي مخلوقات عملاقة وجبارة، قادرة على نفث النيران، وهي صفتها الأكثر إثارة.

ومع أن الروايات عن التنانين واسعة الانتشار؛ فإنه لا يوجد أي دليل علمي إلى يومنا هذا يشير إلى وجودها في أي وقت مضى. فلم يتم اكتشاف حفريات أو بقايا هياكل لها، وكل ما تبقى عنها هو العديد من الأعمال الفنيَّة والأدبيَّة، إلى جانب الخرافات والحكايات التي سمعناها ونحن أطفال.

وبينما يعتقد أغلب العلماء أن التنانين ما هي إلا نتاج خيالٍ خِصبٍ ألهمته وأثَّرت فيه كائنات حيَّة أخرى مثل السحالي الضخمة، والأفاعي، والتماسيح، فهناك علماء آخرون - أقل عددًا بكثير بالطبع - يشككون في ذلك الاعتقاد، بل ويعتقد بعضهم فعليًّا أن التنانين قد طافت الأرض في يومٍ ما، وأنها قد تكون آخر أنواع الديناصورات التي عاشت على الأرض.

على الرغم من تحالفي الدائم مع الطرف الذي يملك البراهين العلمية والأدلة الحيَّة، فإنني أميل هذه المرة إلى التشكيك في قطعية الحقيقة العلمية. ولربما أهواني في ذلك ولعي بالتنانين. ولكن الأهم من ذلك هو أن علماءً حقيقيين فشلوا في الإجابة عن أكثر الأسئلة أهمية: إن كانت التنانين مجرد أسطورة، فكيف صُوِّرت في كل تلك الثقافات في حين أنها لم تختلط في ذلك الوقت؟ فتلك الثقافات لم تتصل ببعضها على الإطلاق، كما لم تتجاوب مع بعضها؛ فهل من المنطقي أن تكون كلها قد اختلقت نفس الأسطورة صدفةً وبشكلٍ متزامن أيضًا؟

فلوهلة، دعونا نتحرى مفهوم أن التنانين ليست مجرد خرافة، ولنوجه للعلم أسئلة حول ما إذا كان هناك احتمال أن يكون لذلك المخلوق قدرة على نفث النيران؟

العِلـم

للإجابة عن السؤال حول إمكانية ارتقاء أحد الكائنات ليمتلك القدرة على استنشاق النيران وزفرها، فلا بد أولاً أن نفهم كيف تُوقد النيران وما قد تتطلبه عملية تنفس النيران.

تشتعل النيران عندما تتعرض مادة قابلة للاشتعال وكمية كافية من عامل مؤكسد مثل غاز الأكسجين أو أي مركبٍ آخر غني بالأكسجين لمصدر حرارة، أو لدرجة حرارة أعلى من نقطة الوميض (درجة الحرارة الدنيا التي يمكن للمزيج أن يتبخر عندها) لمزيج الوقود والعامل المؤكسد، وعندما تكون قادرة على استدامة معدل الأكسدة الذي يُنتج تفاعلاً مسلسلاً.

فلا يمكن أن تندلع النيران بدون توافر تلك العناصر جميعها بالنسب الصحيحة. وقد تتطلب بعض عمليات مزج الوقود والأكسجين محفزًا، أي مادة لا تدخل في التفاعل الكيمائي بشكل مباشر أثناء الاحتراق، ولكنها تساعد المواد المتفاعلة على الاحتراق بسهولة أكبر.

هكذا، فأول ما سيحتاجه التنين النافث للنيران هو مادة قابلة للاشتعال؛ أي وقود. ولأن افتراض أن التنانين كانت لديها القدرة على إنتاج الفحم أو الجازولين في أحشائها أمر مضحك؛ فلابد أن يكون الوقود نتيجة لعملية حيوية طبيعية تحدث بأمانٍ داخل الأحشاء. وترجح إحدى النظريات المعقولة - التي اقترحها المعتقدون في وجود التنانين - أنها كانت تنتج الهيدروجين بمساعدة بكتيريا تعيش في أمعاءها.

فأمعاء جميع الحيوانات، بل والبشر أيضًا، تحوي أنواعًا عديدة من البكتيريا، وفي العديد من الأنواع الحية، تلعب بكتيريا الأمعاء دورًا رئيسيًّا. فعلى سبيل المثال، لا تستطيع معظم الحيوانات آكلة النباتات مثل فرس النهر هضم السيلولوز، وهو المكون الرئيسي للنباتات؛ فتقوم بكتيريا الأمعاء بهضمها له في معدة منفصلة.

والغازات القابلة للاشتعال من منتجات بعض أنواع البكتيريا، مثل الميثان والهيدروجين؛ حيث يمكن إنتاجهما نتيجة للتخمر البكتيري في قولون الإنسان. استنتج البعض أن هذه العملية قد تؤدي إلى استخدام مثل تلك البكتيريا في الصناعة لإنتاج الهيدروجين ليُستخدم بمثابة وقود. ومن ثم، فمن الممكن حيويَّا افتراض أن التنانين كانت تمتلك القدرة على إنتاج الهيدروجين وتخزينه في وحدة تخزين للوقود شبيهة بمثانة تحتجز الهيدروجين. ويعد ذلك حلاً لأمر الوقود؛ حيث يُعد الهيدروجين وقودًا عالي التفاعل.

أما الأكسجين فهو العنصر الأسهل منالاً؛ حيث إنه موجود في الهواء حولنا في كل مكان. وبافتراض أن التنانين كانت تتنفس مثل الثدييات الأخرى - والجدل حول ما إذا كانت التنانين ثدييات أو برمائيات أمر مختلف تمامًا، إلا أن أغلب العلماء المعتقدين في وجودها يميلون إلى أنها كانت من الثدييات – فإن الهواء الذي يدخل الرئتين لا يكون خاليًا من الأكسجين بشكل كامل عند زفره.

فالإنسان الطبيعي، على سبيل المثال، يستنشق الهواء وبه نسبة 20.9% أكسجين، ثم يزفره وبه نسبة 15.3% أكسجين. ومن البديهي أن تؤثر قدرة رئة التنين على كَمِّ الأكسجين الذي يُطلق مع الزفير فعليًّا، إلا أنه يبدو لي كافيًا لإخراج النيران من الجسم وصولاً إلى العالم الخارجي؛ حيث يقوم الأكسجين الخارجي بإتمام مهمة التأكسد السريع بعد ذلك.

الشيء الوحيد المتبقي هو الشرارة، أي الطاقة الحراريَّة اللازمة لبدء التفاعل، والمُسماة كيميائيًّا باسم "طاقة التفعيل". ونحن نعلم أن جزيئات الهيدروجين تتفاعل بشدة مع الأكسجين عند انكسار الروابط الجزيئيَّة؛ حيث تتكون روابط جديدة بين ذرات الهيدروجين والأكسجين.

ولأن نواتج التفاعل تكون ذات مستوى طاقة أقل من المتفاعلات، يكون الناتج هو انفجار للطاقة وإنتاج للماء. غير أن الهيدروجين لا يتفاعل مع الأكسجين في درجة حرارة الغرفة؛ ومن ثمَّ، هناك حاجة إلى مصدر وقود ليشعل الخليط، أي شرارة.

سيؤدي إدخال شرارة على هذا المزيج إلى رفع درجة حرارة بعض جزيئات الهيدروجين والأكسجين؛ فتتحرك الجزيئات مرتفعة الحرارة بشكلٍ أسرع وتتضارب بطاقة أكبر. وعندما تصل طاقة التصادم إلى الحد الأدنى الذي يمكن عنده "انكسار" الروابط بين المتفاعلات، يتبع ذلك تفاعل بين الهيدروجين والأكسجين. ولأن الهيدروجين يتطلب طاقة تنشيط قليلة، فلا يتطلب الأمر إلا شرارة صغيرة لاستثارة تفاعل مع الأكسجين.

قد يفترض المرء أن للتنين درجة حرارة داخلية مرتفعة للغاية كافية لإنتاج شرارة، إلا أن مثل ذلك الأمر قد يجعل تلك المخلوقات عرضة لمخاطر حدوث اشتعالات عفوية متواترة؛ مما يهدد بقاءها بالطبع.

وهناك احتمال آخر بأن التنانين كانت قادرة على إحداث الشرارة بأسنانها. وهناك أيضًا احتمال استخدام الكهرباء؛ فهناك بعض المخلوقات القادرة على إنتاج كميات من الكهرباء، مثل ثعبان البحر الرعَّاد والشفنين الرعَّاد، إلا أننا لا نعرف أي مخلوق قادر على إحداث شرارة.

إلا أن الافتراض الأجدر بالتصديق، والذي قدمه منتجي فيلم وثائقي عن التنانين على قناة أنيمال بلانيت، هو أن التنانين كانت تتناول عنصر البلاتينوم الموجود بالصخور، والذي عَمِل بمثابة محفزٍ لتفاعل الهيدروجين مع الأكسجين.

والإلهام العلمي للنظرية المشيرة إلى أن التنانين لها القدرة على هضم البلاتينوم وطحنه نابع من العديد من الأمثلة الحيويَّة. فعلى سبيل المثال، ليس للطيور أسنان؛ فتعتمد العديد من أنواعها على ابتلاع الحبيبات الرملية، بل والصخور الصغيرة أيضًا لطحن الطعام في معداتها. كما احتوت معدات الديناصورات في بعض الأحيان على صخور كبيرة أو حويصلات بالية بفعل عملية الطحن والتعرض للسوائل الهاضمة، كما يمكن أن تكون الصخور قد لعبت أيضًا دورًا في تفتيت الأطعمة الجامدة. وتفعل التماسيح في وقتنا هذا نفس الشيء، كما تستخدم الأحجار؛ لتحفظ توازنها عند السباحة.

والمثال الذي يفوق الأمثلة السابقة هو أفيال جبل إلجون في كينيا. فالعديد من الحيوانات تصطف لتلعق الأملاح، ولكن بالنسبة لأفيال جبل إلجون، المصدر الطبيعي الوحيد للأملاح يكمن في كهوفٍ عميقة على جوانب الجبل. فتدخل قطعان الأفيال إلى الكهوف، وتمشي لمسافات تصل إلى مائة وخمسين مترًا في ظلمةٍ معتمة؛ لتكسر قطعًا من الأحجار الغنية بالأملاح بأنيابها وتمضغها. والحقيقة هنا هي أن عددًا كبيرًا من الكائنات تلتهم المعادن لاستخداماتٍ مختلفة، فلم لا تفعل التنانين ذلك؟

بتجميع كل تلك الافتراضات المحتملة نظريًّا، يُصبح لدينا الآن تنين مُنتج للهيدروجين في أحشائه؛ فيخلطه بالأكسجين في وجود مسحوق البلاتينوم الذي تم هضمه وطحنه؛ ليعمل بمثابة محفزٍ، ومن ثم ينفث النيران من بين فكيه.

تبقى المشكلة الأخيرة، وهي معرفة كيف تجنبت التنانين الاحتراق جرَّاء النيران التي تنفثها. فيمكن افتراض أنه كان لها دروع واقية في أجوافها، وسطح فمٍّ إضافي في حلقها، مثلها كمثل التماسيح؛ لمنع الاشتعال العكسي.

إذًا، فاحتمال وجود التنانين النافثة للنيران في وقتٍ ما ليس بالأمر الخيالي للغاية.

الواقع

إحدى المخلوقات الحقيقية التي تقترب من التمتع بالقدرة على تنفس النيران حشرةٌ صغيرة معروفة بخنفساء المدفعية (Brachinus). فلقد طورت تلك الحشرة غرفة احتراق تمزج فيها العديد من المواد الكيميائية لتخرج من مؤخرتها غازات ساخنة تصل درجة حرارتها إلى 100 درجة مئوية.

إنها لتقنية فريدة للدفاع عن النفس؛ فعندما تشعر تلك الخنفساء بالتهديد، تطلق دفعة سريعة من مواد كيميائية حارقة ومزعجة في وجه مهاجميها. إلا أن تلك عملية معقدة؛ فتنتج الخلايا الموجودة في قمة بطن الخنفساء فوق أكسيد الهيدروجين (H2O2) ومواد أخرى يطلق عليها الهيدروكينونات، والتي يتم إيداعها في خزان مُوَصَّل بغرفة تفاعلات سميكة الجدران عن طريق صمام، وتتحكم بتلك الغرفة عضلة عاصرة.

وغرفة التفاعلات مبطنة بخلايا تفرز إنزيمات تقوم بتفتيت فوق أكسيد الهيدروجين عندما يُمرَّر مزيج فوق أكسيد الهيدروجين والهيدروكينونات إلى داخل الغرفة منتجةً لكميات وفيرة من الأكسجين، مما يحفز أكسدة الهيدروكينونات. ويولد هذا التفاعل حرارة كافية لتوصيل هذا الخليط إلى درجة الغليان وتبخير معظمه، الأمر الذي يزيد كثيرًا من الضغط داخل غرفة التفاعلات مرغِمًا الصمام على الانغلاق مانعًا الاشتعالات الخلفية وطاردًا للخليط بشكلٍ انفجاريٍّ من خلال فتحة في طرف البطن.

على الرغم من أن المواد الكيميائية الحارقة التي تنتجها تلك الخنفساء لا تصل حرارتها إلى حرارة النار بأي شكلٍ من الأشكال – فالنار الأبرد تصل درجة حرارتها إلى 525 درجة مئوية على الأقل –فإنها ساخنة جدًّا، وهي المثال الحي الأقرب لنفث النيران. وفي نهاية الأمر، فما هي إلا خنفساء صغيرة؛ فلا يتوقع المرء منها إطلاق عاصفة نارية على أيَّة حال!

حسنًا، فما رأيك أنت؟ هل من الممكن القول بأن التنانين كانت حقيقية؟ ربما يكفي أن تعتقد في ذلك ليكون الأمر حقيقة.

المراجع

http://www.livescience.com
http://animal.discovery.com
http://www.ehow.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية