خطوط نازكا: كنز بيروفي غامض

شارك

مكننا تقدم الطيران من اكتشاف كنز من كنوز الحضارات القديمة بعد أن ظل مخبئًا لفترة طويلة، ولم يكن ليكتشف من مستوى سطح الأرض. إننا نتحدث عن خطوط نازكا المدهشة التي اكتشفها الطيارون المحلقون في سماء بيرو في أواخر عشرينيات القرن العشرين لتصبح حاليًّا على قائمة مواقع التراث العالمي لمؤسسة اليونسكو.

تمتد خطوط نازكا لأكثر من 500 كيلو متر مربع في صحراء نازكا جنوب بيرو، وهي تضم خطوطًا مستقيمة، ورسومًا هندسية، ورسومًا تصويرية. وقد بقيت خطوط نازكا محفوظة بفضل انعزال المنطقة ومناخها الجاف.

يُعتقد أن تلك الخطوط تعود إلى حضارة نازكا القديمة التي ازدهرت ما بين سنة 200 قبل الميلاد وسنة 600 ميلاديًّا؛ حيث تتشابه رسوم عديدة مع تلك المصورة على الأقمشة والخزفيات الخاصة بحضارة نازكا. هذا، ويشير نطاق التصميمات الشاسع والمنطقة الكبيرة التي تغطيها إلى أنها رُسمت على مدى عدة قرون. ولكن، كيف صنع شعب النازكا تلك الخطوط؟

تُغطي سطح الصحراء في تلك المنطقة طبقة من الصخور المطلية بأكسيد الحديد، ما يعطيها لونًا داكنًا مقارنة بالطبقات السفلى. وهذا يعني أنهم كانوا يزيلون نحو 30 سنتيمترًا من الصخور السطحية لعمل الرسوم الخطية؛ مما يسمح بظهور الطبقة الفاتحة، ومن ثم يتباين اللونان.

وظل الغرض من خطوط نازكا محل جدال بين الباحثين لعقود طويلة، بالإضافة إلى الافتراضات الراديكالية التي ربطتها بالفضائيين والقوى الخارقة للطبيعة. كانت الأثرية البيروفية توريفيو ميخيا سيسبيه أول من قدم خطوط نازكا إلى المجتمع العلمي في عام 1927، ولكننا لا نعرف الكثير عن عملها. وفي أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، درس المؤرخ الأمريكي بول كوزوك الخطوط من الأرض والجو، واستنتج أن تلك النقوش الجيولوجية حفرت لأغراض فلكية. فقد أجرى قياسات تتعلق بمحاذاة الشمس مع أحد الخطوط التي درسها، ووصف خطوط نازكا بأنها «أكبر كتاب فلك في العالم».

عكفت الباحثة الألمانية ماريا رايخي الشهيرة بسيدة الخطوط على دراستها لمدة 40 عامًا، وقالت إنها تتعلق بعلم الفلك والتقويم. فافترضت أن الرسوم التصويرية للحيوانات تتوافق مع بعض الكوكبات النجمية، وأن الخطوط استخدمت لرصد حركة الأجرام السماوية. اعتقدت رايخي أن الخطوط مكنت شعب نازكا من تحديد الفصول، وأمدتهم بمعلومات هامة تتعلق بالزراعة، وساعدتهم على تحديد الاتجاهات.

شاهد هذين الفيلمين لمعرفة المزيد عن خطوط نازكا وسيدة الخطوط.

كانت نظريات كوزوك ورايخي مقبولة بشكل كبير حتى السبعينيات حينما بدأت مجموعة من الباحثين الأمريكيين ضمت عالم الفلك جيرالد هاوكينج بدراسة النقوش. فقد قالوا إن أغلب الخطوط لا تشير إلى المناطق التي تشهد أهم الأنشطة الفلكية، كما أن صحراء نازكا ليست موقعًا مثاليًّا للرصد الفلكي؛ فالمنطقة ضبابية، ومن ثم تتعذر الرؤية قبل شروق الشمس وبعد غروبها.

تربط الدراسات الأحدث بين خطوط نازكا، وأكثر سلعة قيمة في صحراء بيرو القاحلة، وهي الماء. ففي التسعينيات، أجرى الباحث الأمريكي ديفيد جونسون دراسة بالتعاون مع باحثين من جامعة ماساتشوستس افترض فيها أن الخطوط تشير إلى مواقع المياه الجوفية. على سبيل المثال، تشير الدوائر إلى وجود ينبوع ماء قريب، ويشير الطائر الطنان إلى وجود بئر كبيرة. وعلى الرغم من أن تلك النظرية مثيرة للاهتمام، فإنها تفتقر إلى الدلائل الكافية، ولا تنطبق على كثير من الرسوم.

هذا، وتربط نظرية أخرى بين الخطوط والماء، ولكن ليس بوصفها طريقة للعثور على الماء؛ وإنما بوصفها جزءًا من الطقوس؛ وهذه النظرية مقبولة بصورة أكبر حاليًّا. فقد اقترح جوهان راينهارد أن الخطوط «تؤدي إلى الأماكن التي كان يتم فيها الطقوس الخاصة بطلب المياه ووفرة المحاصيل». ويتفق معه الباحث أنطوني أفيني، قائلًا إن شعب نازكا بذل جهدًا لنقش تلك الخطوط راجيًا أن ترسل الآلهة لهم الأمطار التي يحتاجون إليها. وترمز رسوم الحيوانات أيضًا إلى الحاجة إلى المياه؛ فالطيور البحرية تشير إلى المحيط، ويشير القرد إلى غابات الأمازون غزيرة الأمطار.

سيستمر فهمنا لخطوط نازكا في التطور، وستتوالى الاكتشافات مع استمرار الأبحاث. وفي عام 2018، اكتشف الأثريون أكثر من 50 نقشًا جيولوجيًّا جديدًا في المنطقة؛ حيث يستخدمون تقنيات الطائرات بدون طيار الحديثة لمسح المنطقة وإظهار تفاصيل غير مسبوقة. وجدير بالذكر أن خطوط نازكا ليست قبلة للباحثين وحسب، بل أيضًا مقصد للسائحين الذين يحجزون رحلات الطيران للتمتع بذلك المعلم المدهش من الأعلى.

المراجع

ancient-origins.net
history.com
nationalgeographic.com
people.umass.edu
peru-explorer.com

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية