البيانات الضخمة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة

شارك

عندما تغرد على موقع تويتر أو تنشر صورة على موقع فيسبوك، تظل هذه البيانات محفوظة دائمًا، ويمكنك تصفحها متى شئت. لكن هل سألت نفسك، أين تُحفظ هذه البيانات. على مدى أعوام طويلة لجأ الإنسان إلى وسائل مختلفة لتخزين المعلومات والبيانات التي يحتاج إليها؛ فكانت بداية عمليات التخزين باستخدام ما يسمى بالأقراص المرنة التي كانت أقصى سعة تخزينية لها ثلاثة ميجابايت! من ثم استطاع زيادة السعة التخزينية قليلًا عندما تمكن من صناعة الأقراص المضغوطة؛ والتي برغم تفوقها في السعة التخزينية على الأقراص المرنة، ظلت ذات سعة صغيرة جدًّا.

مضى الإنسان في تطوير وتحسين السعة التخزينية لهذه الوسائط حتى استطاع تخطي حدود الميجابايت. فابتكر وسائط تخزينية ذات سعة تقدر بالجيجابايت، ثم التيرابايت؛ وهذا يعتبر ثورة تقنية بكل المقاييس. لكن وبلا شك، فإن الثورة التقنية الأكثر تأثيرًا تتمثل في القدرة على تخزين البيانات من خلال رفعها على الإنترنت؛ وبذلك تنعدم الحاجة إلى اقتناء أي وسيلة تخزين قد تتعرض إلى الضياع أو التلف، ويضيع معها ما بداخلها من بيانات. فأصبح الآن بإمكان أي شخص في أي مكان بالعالم تخزين بياناته من صور، أو فيديوهات، أو كتب، أو غيرها على الإنترنت باستخدام تطبيقات مختلفة أبرزها Google Drive مع ضمان عدم ضياعها وبدون أي تكلفة.

نتيجة لذلك، فإن حجم البيانات المخزنة على الإنترنت على مستوى العالم يزداد بشكل كبير. فوفقًا للتقديرات، فإن حجم البيانات المخزنة على الإنترنت حتى عام 2017 يقدر بـــــ 2.7 زيتابايت (الزيتابايت يعادل مليار تيرابايت أو ما يعادل 2110 بايت). ومن المتوقع أن يصل حجم البيانات إلى 44 زيتابايت بحلول عام 2020! هذا الحجم الكبير من البيانات حصيلة طبيعية لتفاعلات البشر اليومية مع المنتجات والخدمات الرقمية؛ بما في ذلك الهواتف المحمولة، وبطاقات الائتمان، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها. فكانت النتيجة هذا التدفق الهائل من البيانات أو ما يعرف باسم «البيانات الضخمة».

لا شك أن هذا الانفجار الهائل في توافر البيانات الضخمة يمثل ثورة تكنولوجية كبيرة. فبالتزامن مع ظهور الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، أصبح بإمكان البيانات الضخمة تغيير شكل العالم بأسره. في عام 2015، بدأ العالم في العمل على خطة جديدة للتنمية بناءً على أهداف التنمية المستدامة. ولتحقيق هذه الأهداف يجب على دول العالم أن تكون على اطِلاع بما يلزم من البيانات لاتخاذ إجراءات متكاملة بخصوص التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ولكن لا تزال البيانات اللازمة لوضع خطط التنمية العالمية والإقليمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة غير متوافرة عند كثير من الدول، وخاصة الدول الفقيرة؛ وهنا يأتي دور البيانات الضخمة.

في العصر الحالي تُجمع بيانات ضخمة كثيرة حول العالم بواسطة شركات خاصة عديدة مثل جوجل، وفيسبوك، وغيرها. فإذا عُقدت شراكات بين هذه الشركات الخاصة والقطاعات التي تستهدف تحقيق التنمية المستدامة، فإن هذا يضمن توافر ما يلزم من البيانات لتحقيق هذه الأهداف. وفيما يلي بعض الأهداف وكيفية تحقيقها باستخدام البيانات الضخمة:

  • القضاء على الفقر: يمكن استخدام المعلومات الخاصة بأنماط وحجم الإنفاق على خدمات الهاتف المحمول كمؤشرات لمستويات الدخل، وكيفية توزيع هذا الدخل بين الطبقات المختلفة.
  • القضاء التام على الجوع: يمكن أن يساعد تتبع أسعار المواد الغذائية المدرجة على الإنترنت في مراقبة الأمن الغذائي وضمان توافر الغذاء بالأسعار المناسبة للطبقات كافة.
  • الصحة الجيدة: من خلال مراقبة خريطة تحرك مستخدمي الهواتف المحمولة، يمكن التنبؤ بانتشار الأمراض المعدية والوقاية منها قبل انتشارها.
  • التعليم الجيد: يمكن استخدام تقارير الأهالي والمواطنين المتاحة عبر الإنترنت في الكشف عن أسباب معدلات ترك الطلاب للتعليم.
  • المساواة بين الجنسين: عن طريق تحليل بيانات المعاملات المالية البنكية للرجال والنساء، يمكن الكشف عن أنماط الإنفاق الخاصة بكل منهما، وتأثير الأزمات الاقتصادية على وتيرة الإنفاق الخاص بهما؛ ما سيشكل عاملًا مهمًّا في وضع خطة للمساواة في الرواتب الوظيفية بين الجنسين.
  • المياه النظيفة والنظافة الصحية: يمكن لأجهزة الاستشعار المتصلة بمضخات المياه تتبع الوصول إلى المياه النظيفة.
  • طاقة نظيفة بأسعار معقولة: يتيح نظام القياس الذكي لشركات المرافق زيادة أو تقييد تدفق الكهرباء أو الغاز أو الماء لتقليل الفاقد وضمان توفير إمدادات كافية في فترات الذروة.
  • العمل اللائق ونمو الاقتصاد: يمكن أن توفر البيانات الخاصة بالمعاملات التي تتم في حركة البريد العالمية مؤشرات، مثل: معدل النمو الاقتصادي، والتحويلات المالية، والتجارة، بالإضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ مما بدوره يساعد على معرفة نصيب الفرد من هذا الناتج.
  • الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية: يمكن استخدام البيانات من أجهزة نظام التموضع العالمي GPS في مراقبة حركة المرور وتحسين وسائل النقل العام.
  • الحد من أوجه عدم المساواة: يمكن أن تكشف التحليلات الخاصة بتحويل الحديث إلى نص على محتوى الراديو المحلي عن أوجه المخاوف التي يعانيها العامة، فيما يتعلق بالتمييز والتفرقة ومعرفة درجة استجابة الدعم المحلي الموجه للحد من هذه التفرقة.
  • المدن والمجتمعات المحلية المستدامة: يمكن للاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية تتبع التعدي على الأراضي العامة أو المساحات الخاصة بالجميع مثل الحدائق والغابات.
  • الاستهلاك والإنتاج المسئولان: يمكن أن تكشف أنماط البحث على الإنترنت أو معاملات التجارة الإلكترونية عن سرعة معدل التحول إلى استخدام المنتجات الموفرة للطاقة.
  • العمل المناخي: يمكن أن يساعد الجمع بين صور الأقمار الصناعية المختلفة والبيانات المفتوحة في تعقب عمليات إزالة الغابات، ومن ثم إيقافها؛ حفاظًا على المساحات الخضراء على كوكب الأرض والتي بدورها تحافظ على استقرار المناخ.
  • الحياة تحت الماء: يمكن أن تكشف بيانات تتبع السفن البحرية عن أنشطة صيد الأسماك غير القانونية وغير المنظمة وغير المبلغ عنها؛ مما يساعد على حماية الكائنات البحرية والحفاظ على الثروة السمكية.
  • الحياة في البر: يمكن أن تدعم وسائل التواصل الاجتماعي عملية إدارة الكوارث والتحكم فيها في الوقت اللحظي لحدوث الكارثة؛ إذ يمكن من خلال المعلومات التي يتم تداولها تحديد مواقع الضحايا بدقة، أو معرفة قوة حرائق الغابات وآثارها، وكذلك آثار الضباب.
  • السلام والعدل والمؤسسات القوية: يمكن أن يكشف تحليل المشاعر والعاطفة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تفاعلهم مع الأخبار المختلفة، عن الرأي العام بشأن الحوكمة الفعالة، أو تقديم الخدمات العامة، أو حقوق الإنسان.
  • عقد الشراكات لتحقيق الأهداف: يمكن للشراكات التي تتيح الجمع بين الإحصائيات وبيانات الهاتف والإنترنت أن توفر فهمًا أفضل لعالم اليوم شديد التكامل والترابط.

لا شك أن البيانات الضخمة تمثل طاقة كامنة لا بد من استخدامها لتوفير حياة أفضل للإنسان. فباستغلال هذه البيانات يمكن بسهولة تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة لخلق عالم أفضل. والمهمة الآن تتمثل في كيفية الاستخدام الأمثل لهذه البيانات لتحقيق أكبر قدر من أهداف التنمية المستدامة.

المراجع

arabstates.undp.org

livescience.com

Un.org


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد خريف 2019.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية