يُعد تغير المناخ من أكبر التهديدات التي تواجه الحياة البرية والنظم البيئية حول العالم، نظرًا للارتباط الوثيق بين المناخ والتنوع البيولوجي. ومع تسارع وتيرة التغير المناخي، أصبحت الحيوانات مصدرًا مهمًّا لفهم آثاره من خلال سلوكها، وتغيراتها الجسدية.
منذ فجر التاريخ اعتمد الإنسان على مراقبة العالم الطبيعي لاكتشاف أنماط الطقس وتغيرات المواسم. واليوم، يتجه العلماء مجددًا إلى الحيوانات لفهم آثار تغير المناخ، مستخدمًا تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن استخدامها لجمع وتحليل كميات هائلة من البيانات.
لطالما اضطرت الحيوانات للتكيف، أما تلك التي لم تتكيف –مثل طائر الدودو الشهير– فقد انقرضت. كما أن معدل انقراض الحيوانات آخذ في الازدياد، ويُقدر أنه أعلى بما يتراوح بين 1000 و10000 مرة من معدل الانقراض الطبيعي. فقد كشف الصندوق العالمي للطبيعة عن انخفاض بنسبة 73% في متوسط حجم مجموعات الحيوانات البرية التي رُصدت بين عامي 1970 و2020، كما يواجه نحو ثلث أنواع البرمائيات خطر الانقراض، بينما يُصنف 550 نوعًا من الثدييات على أنها مهددة بالانقراض عالميًّا –235 منها في حالة حرجة.
في حين أن الحيوانات القادرة على التكيف لديها فرصة أكبر بكثير للبقاء على قيد الحياة، فإن عديدًا من الحيوانات تُغير تركيبها الفسيولوجي لمواجهة تغير المناخ. أكثر هذه التغيرات شيوعًا هي الزوائد الجسدية، مثل الأذن والمناقير والذيول والأجنحة. ففي مواجهة الاحتباس الحراري العالمي، لا تكتفي الكائنات الحية بتغيير سلوكها أو هجرتها إلى مناطق أكثر برودة، مثل المناطق الأقرب إلى القطبين أو إلى مناطق أعلى، بل تُعدل أيضًا هذه الزوائد التي تساعدها على تنظيم حرارة أجسامها؛ ففي حالة فئران الخشب، أصبحت ذيولها أطول، بينما تنمو مناقير الطيور إلى حجم أكبر، وكذلك يزداد طول أجنحة الثدييات مثل الخفافيش.
لماذا تغيِّر الحيوانات شكلها؟
تُواجه الحيوانات ذوات الدم الحار تحديًّا خاصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يجب أن تحافظ على درجة حرارتها الداخلية ثابتة لتجنب الإجهاد الحراري أو الموت. ومن هنا تلجأ بعض الأنواع إلى زيادة مساحة سطح أجسامها لتفقد الحرارة بسرعة أكبر —وهي الظاهرة التي وصفها عالم الحيوان الأمريكي جويل ألين في القرن التاسع عشر، فيما يُعرف بـ«قاعدة ألين» (Allen's Rule). تنص القاعدة على أن الحيوانات التي تعيش في المناخات الحارة تمتلك زوائد أكبر حجمًا مقارنة بتلك التي تعيش في المناطق الباردة.
كذلك تشير الدراسات إلى أن حجم منقار عدة أنواع من الببغاوات الأسترالية، مثل طيور الكوكاتو الغانغ-غانغ والببغاوات ذات الردف الأحمر، قد ازداد بنسبة تتراوح بين 4–10% منذ عام 1871. وتتزايد زوائد الثدييات في الحجم؛ على سبيل المثال، في الذبابة المقنعة، ازداد طول الذيل والساق بشكل ملحوظ منذ عام 1950. في حين أن الخفاش ذي الأوراق المستديرة، ازداد حجم جناحه بنسبة 1.64% خلال الفترة نفسها، وذلك لتعزيز قدرتها على فقد الحرارة أثناء الطيران. هذه الظاهرة تُعرف باسم «التغير الشكلي» (Shape-shifting)، وهي دليل على أن المناخ يؤثر بشكل مباشر في التشريح الحيواني.
وجد العلماء أن للزوائد الحيوانية استخدامات تتجاوز بكثير تنظيم درجة حرارة الجسم. هذا يعني أن العلماء ركزوا على أسباب أخرى قد تفسر التغيرات في شكل جسم الحيوان. على سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن متوسط حجم منقار عصفور غالاباغوس الأرضي المتوسط قد تغير بمرور الوقت استجابةً لحجم البذور، والذي يتأثر بدوره بهطول الأمطار.
تساهم هذه البيانات في الفهم العلمي لكيفية استجابة الحياة البرية لتغير المناخ. فإلى جانب تحسين قدرتنا على التنبؤ بآثار تغير المناخ، سيمكننا هذا من تحديد الأنواع الأكثر عرضة للخطر والتي تتطلب أولوية في الحفاظ عليها. كما أظهر تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن الوقت المتاح لدينا محدود للغاية لتجنب الاحتباس الحراري. لذا فإن أفضل طريقة لحماية الأنواع في المستقبل هي الحد بشكل كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
المراجع
weforum.org
theconversation.com