هل سبق لك أن شعرت بقشعريرة تسري في جسدك، أو بضيق في صدرك، أو حتى بغثيان لمجرد رؤية مجموعة من الثقوب الصغيرة المتقاربة؟ قد تبدو الفكرة غريبة للبعض، ولكنها حقيقة يعيشها ملايين الأشخاص حول العالم؛ إنها «فوبيا الثقوب» أو «التريبوفوبيا (Trypophobia)»، وهي حالة نفسية تتمثل في نفور أو اشمئزاز شديد من الأنماط المتكررة من الثقوب أو النتوءات الصغيرة، مثل تلك الموجودة في قرص العسل، أو بذور اللوتس، أو حتى بعض أنواع الجبن.
التريبوفوبيا ليست فوبيا بالمعنى التقليدي للكلمة، مثل الخوف من المرتفعات أو الأماكن المغلقة، فالأعراض لا تقتصر على الخوف فحسب، بل تمتد لتشمل مجموعة واسعة من ردود الفعل الفسيولوجية والنفسية. فبمجرد رؤية المحفز، قد يشعر المصاب بالحكة، أو الوخز، أو الغثيان، أو الارتعاش، أو حتى نوبات الهلع؛ ويصف بعض الأشخاص إحساسًا بالاشمئزاز الشديد، وكأن شيئًا ما يزحف على جلدهم. إن الأنماط التي تثير التريبوفوبيا متنوعة، ولا تقتصر على الثقوب الطبيعية، بل قد تمتد إلى الصور المصممة رقميًّا أو حتى الأشكال الهندسية التي تحتوي على تجمعات من الدوائر الصغيرة، ولهذا وجدت صعوبة كبيرة عند البحث لكتابة هذا المقال.
الأسباب المحتملة للتريبوفوبيا
على الرغم من عدم الاعتراف رسميًّا بالتريبوفوبيا كاضطراب نفسي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، إلا أن الأبحاث في هذا المجال آخذة في الازدياد. وتشير إحدى النظريات الأكثر شيوعًا إلى أن هذه الفوبيا قد تكون متجذرة في استجابة تطورية قديمة الخطر؛ فكثير من الكائنات السامة، مثل بعض أنواع العناكب والثعابين، أو الأمراض الجلدية المعدية، تظهر أنماطًا مشابهة للثقوب أو البقع المتجمعة، وبالتالي، فإن قد يكون الدماغ طور آلية دفاعية لتجنب هذه الأنماط، حتى لو كانت غير ضارة في الواقع. هذا التفسير يدعمه حقيقة أن الأعراض غالبًا ما تتضمن ردود فعل جسدية مثل الحكة أو الغثيان، وهي استجابات طبيعية للجسم عند التعرض لمهيجات أو مواد سامة.
الارتباط بالتهديدات البيولوجية
يفترض بعض الخبراء أن هذا الخوف من الثقوب المتقاربة قد يكون امتدادًا للخوف البيولوجي من الكائنات السامة أو الخطرة. فقد وجد الباحثون، بعد تحليل صور أثارت استجابة قلق لدى الأشخاص المصابين بالتريبوفوبيا، أن الألوان عالية التباين بترتيب رسومي معين غالبًا ما تثير القلق والاشمئزاز وأعراضًا أخرى. كما لاحظوا أن صور بعض الحيوانات شديدة الخطورة، مثل الكوبرا الملك وعقرب «ديث ستوكر» والأخطبوط ذي الحلقات الزرقاء، تشترك في خصائص طيفية مع الصور المسببة للتريبوفوبيا. وتشير «الخصائص الطيفية» إلى تفاصيل دقيقة، مثل التباين والتردد المكاني، والتي تؤثر على كيفية إدراك العين والدماغ للصور.
لذلك، قد لا يكون الخوف من الثقوب بحد ذاته هو السبب، بل قد يكون ارتباطًا لا واعيًا بين عناصر غير مؤذية (مثل قرون بذور اللوتس) وحيوانات مخيفة (مثل الأخطبوط ذي الحلقات الزرقاء) بسبب تشاركها في خصائص طيفية معينة. بعبارة أخرى، قد تكون التريبوفوبيا نتيجة لتطور «نظام إنذار» داخلي لدينا لمساعدتنا على البقاء آمنين من المخاطر في محيطنا.
الارتباط بتجنب الأمراض الجلدية
بالإضافة إلى ذلك، يعاني عديد من المصابين بالتريبوفوبيا من نفور شديد من الندوب أو علامات الجدري أو غيرها من أنماط الطفح الجلدي وعلامات الجلد، وهذا يقود بعض الخبراء إلى ربط هذه الفوبيا باستجابة تطورية أخرى وهي الدافع لتجنب الجراثيم أو الأمراض الجلدية المعدية.
تختلف شدة التريبوفوبيا من شخص لآخر؛ فبعض الأشخاص قد يشعرون بانزعاج خفيف، بينما يعاني آخرون من أعراض شديدة قد تؤثر على حياتهم اليومية. على سبيل المثال، قد يتجنب المصابون بشدة بعض الأطعمة التي تحتوي على هذه الأنماط، أو قد يجدون صعوبة في تصفح الإنترنت أو مشاهدة التلفاز بسبب الصور التي قد تحتوي على محفزات، وعلى الرغم من عدم وجود علاج محدد للتريبوفوبيا، إلا أن بعض الأساليب العلاجية المستخدمة في علاج الفوبيا الأخرى قد تكون فعالة، مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والتعرض التدريجي للمحفزات، مع الدعم النفسي، قد يساعد ذلك الأفراد على التعامل مع استجاباتهم وتقليل شدة الأعراض.
هل التريبوفوبيا مجرد نفور بصري غير مؤذٍ، أم أنها إشارة إلى تفاعلات أعمق بين دماغنا وبيئتنا، تعود جذورها إلى تاريخنا التطوري الطليق؟ ربما تكون دراسة هذه الظاهرة الغريبة مفتاحًا لفهم أعمق لكيفية عمل الدماغ البشري، وكيف يفسر الأنماط البصرية، وكيف تتشكل مخاوفنا واستجاباتنا الفسيولوجية تجاه العالم من حولنا.
المراجع
healthline.com
journals.sagepub.com
pmc.ncbi.nlm.nih.gov
Cover image by magnific.com