فن النوم عند الحيوانات

شارك

أنا شخص لا يعرف القيلولة تقريبًا؛ ويعود ذلك جزئيًّا لما أجده في روتين النوم والاستيقاظ مبكرًا من فوائد، وجزئيًّا لعجزي عن النوم نهارًا مهما حاولت. لا يمثل لي ذلك مشكلةً في أغلب الأحيان؛ لكن قد يرهقني مثلًا خلال شهر رمضان المبارك، حين أضطر إلى الاستيقاظ 3 ساعات مبكرًا عن موعدي المعتاد من أجل السحور، ولا أستطيع معاودة النوم. ونتيجةً لذلك، عليَّ أن تحمُّل ساعات الصيام الطويلة دون راحةٍ كافية.

ولكن حينما كان ولدايَّ رضيعين، واجهت أصعب تحدٍّ في الحرمان من النوم. فلم أتمكن من اتباع النصيحة الذهبية بأخذ قيلولة كلما غفا الطفل، وعجزت عن تعويض ساعات النوم التي حرمت منها لليالٍ طويلة. وقد قرأت معلومةً مؤخرًا عن سلوك النوم لدى بطاريق شينستراب خلال موسم التكاثر، واتضح لي أنها تنعم بنحو إحدى عشرة ساعةً من النوم يوميًّا، بفضل القيلولات التي تأخذها. إنني أغبطها حقًّا!

تضم المملكة الحيوانية بالفعل عديدًا من سلوكيات النوم الفريدة، فهيا نستكشف معًا بعضًا منها.

النوم المصغر

في نوفمبر 2023، نشر فريق يضم باحثين من فرنسا وكوريا وألمانيا دراسةً في مجلة ساينس، تتناول سلوك القيلولة لدى بطاريق شينستراب خلال موسم التكاثر. فقد يعرِّض النوم لفترات ممتدة أفراخها وبيضها إلى مخاطر الافتراس والاعتداء من مخلوقات أخرى.

ولفهم كيفية حصولها على قسطٍ كافٍ من الراحة، زرع الباحثون أقطابًا كهربائية في رؤوس أربعة عشر بطريقًا لقياس نشاط المخ. فوجدوا أنها تأخذ خلال اليوم ما يصل إلى 1000 قيلولة صغيرة تستمر كل منها 4 ثوانٍ فقط، فيما يُعرف بـ«النوم المصغر»، ولكنها تتراكم مجتمعةً لتمنحها 11 ساعةً من النوم يوميًّا.

تكون هذه القيلولات بمثابة اعتراضات وجيزة لحالة اليقظة، يُستدل عليها من خلال رصد إغلاق العينين ونشاط المخ المرتبط بالنوم، وتستفيد خلالها الطيور من وظائف النوم الترميمية مع استمرارها في رعاية الصغار.

النوم نصف الدماغي الأحادي

يُمكن أن يصبح النوم أشدَّ تعقيدًا تحت الماء، ولا سيما في حالة الثدييات البحرية التي تتنفس الهواء مثل الدلافين. فالنوم اللاواعي يعني اختناق هذه المخلوقات وغرقها، لأنها لا تتنفس تلقائيًّا مثل البشر. ولذلك عليها أن تظل واعية لتسبح إلى السطح كل فترةٍ لتتنفس.

تعتمد الدلافين والحيتان على ما يُعرف بالنوم نصف الدماغي الأحادي بطيء الموجة؛ حيث ينام أحد نصفي الدماغ فقط، بينما يظل النصف الثاني مستيقظًا للحفاظ على الوعي اللازم للتنفس. ويسمح ذلك النمط للمخلوقات بالنوم مفتحةً عين ومغمضةً الأخرى حرفيًّا، بما يمكِّنها من الانتباه لأي خطرٍ محتمل.

ولا تستأثر الثدييات البحرية بنمط النوم نصف الدماغي الأحادي، فهو شائع جدًّا بين الطيور أيضًا. فقد ينام دماغ الطائر كاملًا أو ينام نصفٌ دماغيٌّ واحد حسب درجة شعوره بالأمان وقدر حاجته إلى البقاء يقظًا ونشطًا. ويتيح ذلك النمط من النوم للطيور الحصول على قسطٍ من الراحة خلال الطيران في رحلات الهجرة الطويلة التي قد تمتد لأيام.

טל שמע, CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons

وها هي أسرار الحياة الساحرة على كوكبنا تذهلني مرة أخرى. لا يمكنني حقًّا تخيُّل الإنسان الخارق في صورة أخرى بخلاف شخص يتمتع بقدرات التكيف المختلفة للكائنات: فأجده يستطيع التحليق عاليًا مثل الطيور، والتنفس تحت الماء والسباحة مثل الأسماك، وتصنيع غذائه ذاتيًّا مثل النباتات، وقادرًا دومًا على إيجاد طريقة يصمد فيها أمام قلة النوم.

المراجع

britannica.com
hardwickgazette.org
nationalgeographic.com
nature.com
science.org
uk.whales.org

Banner image: lwolfartist, CC BY 2.0, via Wikimedia Commons

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية