حول العالم في يومٍ واحد

شارك

إنها لحقيقة أن العالم قد أصبح قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا، ولكن ما هو أكثر من ذلك أنه مع ظهور طائرات فائقة السرعة، فليس من المستحيل أن نتصور أن يتمكن المرء في يومٍ ما من تناول الفطور في فرنسا والغداء في جنوب إفريقيا والعشاء في اليابان. تلك الفكرة تجعلنا نتساءل كيف يكون الدوران حول العالم في يومٍ واحد.

أين اختبأت المدينة الضائعة؟

أتخيل أن تبدأ رحلتنا في الخامسة والنصف صباحًا؛ حيث نستيقظ في قرية أجواس كالينتس (المياه الساخنة) الصغيرة في بيرو، وهو وقت مناسب لنلحق بأول حافلة تأخذنا إلى سلسلة جبلية رائعة نجد فيها مدينة ماتشو بيتشو الضائعة. وهناك، عندما تبزغ الشمس من خلف الجبال في السابعة والنصف صباحًا، وتسقط الأشعة الأولى على أنقاض ماتشو بيتشو المحفوظة جيدًا على حافة التلال شديدة الانحدار وسط الجبال الخضراء الشاهقة المطلة على وادي نهر فيلاكونتا؛ حينها فقط نلتقط أنفاسنا بعد لحظة من الصمت والذهول. ففي هذه اللحظة فقط نكتشف تلك المدينة الرائعة التي اختفت من العالم قرونًا حتى تم اكتشافها في عام 1911. يا لها من بداية رائعة لليوم.

في صباح يوم 24 يوليو 1911، شق المستكشف هيرام بينجهام طريقه بحثًا عن حقيقة الشائعات التي تتردد حول أطلال قديمة ترجع إلى حضارة الإنكا في بيرو في الغابات الكثيفة. فاتبع هيرام طفلاً هنديًّا صغيرًا ليعثر على أحد أكبر الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين: ماتشو بيتشو. تتكون ماتشو بيتشو من مبانٍ وساحات ومنصات متصلة ببعض بحارات أو ممرات ضيقة. ويحيط بجزء من المدينة جدران وخنادق بنيت ليس بهدف التحصين العسكري ولكن كشكل من أشكال الانعزال المحدود. وترجح النظرية الحديثة أن ماتشو بيتشو كانت ملجأ أو منتجعًا لحاكم الإنكا باشاكوتي وبعض الأشخاص الآخرين من النخبة. وتختبئ ماتشو بيتشو فوق سلسلة جبال الإنديز على ارتفاع أكثر من 2 كم فوق سطح البحر أعلى وادي أروبامبا، فليس من الغريب أن تختفي تلك الأعجوبة عن أنظار العالم لقرون.

الفطور أولاً

بعد أن غذينا أرواحنا بالجمال والسكينة، نستقل الطائرة لنغذي بطوننا الجائعة في وجهتنا التالية. ولأننا نستطيع ذلك، فلقد ذهبنا إلى أفضل مكان يقدم الفطور على وجه الأرض في العاصمة الفرنسية، باريس؛ حيث يقع أفضل مخبز في 8 شارع مونج بالحي الخامس. والواقع أنه ليس من العدل أن نطلق على المكان اسم مخبز؛ فإيريك كايزر هو فنان وليس مجرد خباز تقليدي. ومع ذوبان الكرواسون في فمنا، نتذوق النكهة الثرية والخفيفة في نفس الوقت مع كل قضمة من تلك التحفة الفنية، فنحلم بالكعك والفطائر المعروضة. ولكن دعونا لا نسبق الأحداث فنحن لا نزال في بداية اليوم وهناك الكثير مما يخبؤه لنا الكوكب من مفاجآت.

لقد كانت أمك على حق؛ فالفطور هو بالفعل أهم وجبة في اليوم. فلا يمنحك الطاقة اللازمة لتبدأ يومك فحسب، بل إن له الكثير من الفوائد الصحية الأخرى، بما في ذلك التحكم في الوزن وتحسين الأداء. وعلى الرغم من أنه قد يبدو أن عدم تناول الإفطار قد يقلل من السعرات الحرارية التي نتناولها، فإن ذلك غير صحيح بالمرة وغير مجد؛ حيث ينال الجوع من الأشخاص الذين يتخطون وجبة الإفطار فيأكلون أكثر في وجبة الغداء وباقي اليوم.

ومع ذلك، فالجدير بالذكر أن معظم الدراسات التي تربط بين الفطور والتحكم في الوزن وإنقاصه تنصح بوجبة إفطار صحية تحتوي على البروتينات و/أو الحبوب الكاملة، ولا تنصح بالوجبات المليئة بالدهون والسعرات الحرارية. فإضافة القليل من البروتين الخالي من الدهون لوجبة إفطارك يمكن أن يكون الدفعة التي تحتاجها لتشعر بالشبع حتى وجبة الغداء. "تقلص البروتينات من شعورك بالجوع أكثر من أي شيء آخر؛ فهي الأكثر إشباعًا"، وذلك نقلاً عن واين كامبل، الباحث بجامعة بوردو.

إدمان الأدرينالين

مفعمون بالطاقة بعد تناول وجبة إفطار شهية، نستقل طائرتنا لوجهتنا التالية، إلى أعلى وأكبر جسر في جنوب إفريقيا، جسر بلوكرنز، لنقفز من عليه!

يعتبر جسر بلوكرنز أعلى جسر خرساني أحادي الامتداد في العالم، والأهم من ذلك أنه كذلك أعلى جسر لقفز البانجي في العالم. فبعد أن يتم تأميننا جيدًا، ومع كل خطوة نخطوها على الممشى تزداد ضربات قلوبنا لتصبح أسرع وأسرع، نأخذ مواقعنا أعلى القوس ليبدأ العد التنازلي لأكبر مغامرة في حياتنا. ومع تزايد ضربات قلوبنا، نسمع صوت الموجه صائحًا "اقفز"؛ حينها نقوم بأشجع قفزة في حياتنا لمسافة 216 مترًا نحو مياه نهر بلوكران المتدفقة. هناك، ونحن نتأرجح في أعماق وادي نهر بلوكران، ترتسم على وجوهنا الابتسامة.

يعد هرمون الأدرينالين، والمعروف أيضًا بهرمون الإيبينرفين، أول الهرمونات التي تم اكتشافها في عام 1904. ويحتوي الجسم البشري على اثنتين من الغدد الكظرية، واحدة أعلى كل كلية؛ وتعد تلك الغدد جزءًا من جهاز الغدد الصماء والذي يعمل بالتعاون مع الجهاز العصبي والجهاز المناعي على مساعدة الجسم على التعامل مع مختلف الظروف والضغوطات مثل الرياضة المكثفة، والإرهاق، وبالأخص المواقف التي تشكل خطورة على الحياة.

عند إفراز الإيبيفرين في مجرى الدم، يعمل على زيادة ضربات القلب وضغط الدم، وتمدد بؤبؤ العين، ورفع مستوى السكر في الدم، وإعادة توزيع تدفق الدم بعيدًا عن الجلد والأعضاء الداخلية. كما تقوم تدفقات الأدرينالين أيضًا بمنح الشخص إحساسًا بالنشوة، ولهذا السبب يحاول الكثير من الناس الضغط على أجسادهم بالأنشطة التي تزيد من تدفق الأدرينالين في أجسامهم؛ فيصل الأمر في بعض الأحيان إلى درجة الإدمان. فالأشخاص الذين يفرطون في ممارسة الرياضة أو التزلج أو تسلق الجبال أو سباق السيارات أو ركوب الطائرات وما إلى ذلك يدمنون نشوة الأدرينالين؛ حيث يصيبهم الإحباط إذا لم يحصلوا عليها.

تابع الرحلة واقرأ مقال «حول العالم في يومٍ واحد – الجزء الثاني».

*المقال الأصلي منشور في نشرة مركز القبة السماوية العلمي، عدد «الفصل الدراسي الأول 2011/ 2012».

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية