تاريخ المستقبل

شارك

يختار الكتاب والفنانون غالبًا الإبحار في الماضي البعيد، وابتداع روايات خيالية عن هذا الزمن وما شهده من اختراعات. ويجدون راحة عجيبة في معايشة هذه الحالة من الحنين إلى الماضي؛ فيستحضرون مشاهد تقليدية عن نساء يرتدين أزياء أشبه بأميرات ديزني ويرقصن على أنغام موسيقى الجراموفون العتيق، أو عن رجال متأنقين يستعملون الهواتف الدوارة الكلاسيكية. على أن كثيرًا من الكتاب والفنانين حتى الأشخاص العاديين يتطلعون إلى ما وراء الأفق ويتوغلون في المستقبل؛ لأننا نشعر براحة كبيرة عندما نعتقد أن ما زال في المستقبل خبايا عظيمة تنتظرنا.

ولطالما عنت لنا الأعوام القادمة وبالأخص تلك ذات الأرقام السحرية – مثل 1900، أو 1919، أو 2000، أو 2020، أو 2222، إلخ – عالمـًا رائعًا من إنجازات هائلة محتملة. وبالرغم من ذلك، فحسبما قال عالم الفيزياء الذرية الدنماركي نيلز بور، فإن «التنبؤ صعب جدًّا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل»؛ فسواء كنت تبني تنبؤات عن حالة الطقس غدًا أو عن شكل حياتنا بعد مائة عام، فاعلم أنها حقًّا مهمة إشكالية ذات طابع مثير للاهتمام.

بينما كنت أتصفح الإنترنت بحثًا عن رؤية أسلافنا للمستقبل، عثرت بالصدفة على مجموعة من الصور عن المستقبل، وهي نحو 87 رسمةً توضيحية طُبعت في هيئة بطاقات بريدية مصورة. وقد وضعها عديد من الفنانين الفرنسيين ما بين عامي 1899 و1910 عن تصوراتهم للعالم في عام 2000، بعنوان «في عام 2000» En L’An 2000. وعندما تتصفح هذه البطاقات، ترى كيف رأى هؤلاء الفنانون الراحلون المستقبل، الذي هو بالنسبة إلينا ماضينا منذ عشرين عامًا.

 

         

                (via Wikimedia Commons)

(المصدر: ويكيميديا كومنز)

عندما حاول الرسامون وصف العالم بعد مائة عام، صوَّروا ما اعتقدوا أنه قمة التكنولوجيا؛ ولكن هذا المفهوم قد تغير تمامًا اليوم. أذكر بنهاية عام 1999، اعتاد الناس طرح تساؤلات مستقبلية عن شكل العالم في عام 2020؛ ولم يكن ذلك التاريخ حينها حقًّا مستقبلًا بعيدًا! ففي هذه الفترة القصيرة نسبيًّا، شهد العالم تغيرات جذرية في جميع أشكال الحياة. وهو ما جعل بعضهم كما أذكر آنذاك يتنبأون بنهاية العالم، في حين قابلتهم تنبؤات أخرى عن ظهور حياوات جديدة على كواكب مختلفة. وهذه التنبؤات جميعها نبعت مما شهده العالم من تطور هائل وسريع في مجال التكنولوجيا.

أتذكر هاتفي المحمول الأول عام 2000 ووجود خاصيتين رائعتين به، هما: صانع نغمات الرنين، وإظهار هوية المتصل! في ذلك الوقت لم أكن أحلم أو أتصور أي تقنيات أبعد من ذلك؛ باستثناء سماع أغنية حقيقية بدلًا من نغمة الرنين أحادية الصوت المزعجة. ورغم هذا، قطعت التكنولوجيا شوطًا طويلًا منذ ذلك الحين. فعندما تتلقى اتصالًا اليوم، يهتز هاتفك الذكي، وتظهر على الشاشة صورة المتصل، وتسمع نغمة من اختيارك مخصصة لهذا الشخص؛ وجميعها لم يعد مزايا استثنائية في أي هاتف محمول. فقد أصبح أطفال اليوم منذ سن مبكرة للغاية قادرين على استخدام الهواتف الذكية وخصائصها التكنولوجية المتقدمة المذهلة من خاصية شاشات اللمس إلى تقنيات تعرف الوجوه ثلاثية الأبعاد.

بإمكاننا القول إن الهاتف الذكي صار يضم اليوم قائمة طويلة من اختراعات القرنين التاسع عشر والعشرين؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: الهاتف، والكاميرا، والمسجل الصوتي، والمصباح الكهربائي، والتلفزيون، والراديو، والفونوغراف، وجهاز ألعاب الفيديو، والآلة الكاتبة، والكمبيوتر... والقائمة تزداد كل يوم. بمعنى آخر، بإمكاننا اليوم رؤية مجموعة من الاختراعات التي توقعتها رسوم الفنانين الفرنسيين في صور «في عام 2000» مجمعة في جهاز واحد فقط.

فيمكنك الآن بسهولة شديدة توصيل هاتفك الذكي بساعتك، وبجرس الباب، حتى حذائك؛ ورغم هذا، فما زلنا نتوقع طفرة هائلة في استخدامات الهواتف الذكية. فبعض الناس يتوقعون ظهور هواتف ذكية مزروعة في أجسامنا باستخدام أجهزة سمع ذكية وعدسات لاصقة أو شاشات تعلو سطح الجلد. ورغم أن هذا الوصف قد ينتمي إلى قصة خيال علمي مخيفة، فقد يصبح يومًا ما أمرًا مألوفًا تمامًا، أو قد يحدث النقيض تمامًا بانتهاء طفرة الهواتف الذكية وظهور تقنية أفضل، من يدري؟

المراجع

androidauthority.com

commons.wikimedia.org

eeweb.com

openculture.com

paleofuture.gizmodo.com

techrepublic.com

theculturetrip.com


*المقال الأصلي منشور بمجلة كوكب العلم، عدد شتاء 2020.

**صورة الغلاف: هذه الصورة جزء من فوند فرنسواز فوليو، محفوظة من قبل ويكيميديا فرنسا.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2021 | مكتبة الإسكندرية