تركت هاتفي المحمول وأنا أشعر ببعض الدوار بعد أن أدركت أنني ممسكة به منذ أكثر من ساعة؛ محاولة تذكر ماذا كنت أتصفح تحديدًا. فلم تسعفني ذاكرتي إلا بتذكر تصفحي لعشرات المقاطع القصيرة، أقلب بينها سريعًا دون فائدة حقيقية تُذكر.
انتشار المقاطع القصيرة
في عالم سريع الإيقاع، يتلهف الناس إلى إنجاز كل شيء سريعًا، حتى حين يتعلق الأمر بالترفيه. فمع ظهور ثورة المقاطع القصيرة، لم تعد المقاطع الطويلة تجذب انتباه الأجيال الشابة؛ خاصة جيل زد وما بعده. وقد استحوذت تطبيقات مثل «تيك توك» على أعلى قدر من هذا الاهتمام، لتتبعها لاحقًا منصات أخرى مثل إنستجرام ريلز ويوتيوب شورتس.
وليس الأمر موضة عابرة فحسب، بل دليل قوي على تغير سلوكيات الأفراد وطرق استهلاكهم للمحتوى. أصبحت المقاطع القصيرة وسيلة أساسية لقضاء الوقت، أو حتى إضاعته، دون تركيز حقيقي على محتوى بعينه.
ويرجع هذا الانتشار السريع لسببين رئيسيين: الأول انتشار هذه المقاطع القصيرة على كل منصات التواصل الاجتماعي تقريبًا؛ ففي حين كانت فيديوهات منصة يوتيوب طويلة نسبيًّا، أدخلت منذ عدة أشهر خاصية المقاطع القصيرة لتنافس تيك توك الذي يرتكز نشاطه في الأساس على المقاطع القصيرة فحسب. وأما السبب الثاني، فهو تركيز المحتوى وجاذبيته، فيمكن أن يكون المقطع القصير جزءًا محوريًّا مقتطعًا من مقطع أكبر، فيلجأ المشاهد إلى المقطع القصير لمعرفة النقاط المهمة فقط في أقصر وقت ممكن دون الدخول في تفاصيل أخرى.
ماذا يحدث عند مشاهدة المقاطع القصيرة باستمرار
عند تمرير المقاطع القصيرة، يفرز الدماغ دفعة صغيرة من الدوبامين، وهي مادة كيميائية مسئولة عن الشعور بالمتعة. ومشكلة إفراز الدوبامين المتكرر أنه يترك الإنسان في دائرة مغلقة: المشاهدة، والشعور بالمتعة، ثم الشعور بالاحتياج إلى مزيد من الدوبامين؛ وكلما لجأ الإنسان إلى مشاهدة مزيد منها ازدادت حاجة الدماغ لمحتوى سريع يحافظ على استمرار هذه الحلقة المفرغة.
ويقلل الانتقال المستمر من مقطع قصير إلى آخر من قدرة الدماغ على إمكانية التركيز لوقت طويل، ما يجعل من الصعب الحفاظ على الانتباه في أثناء محادثة طويلة، أو واجب دراسي أو قراءة كتاب أو حتى مشاهدة مقاطع طويلة نسبيًّا. ومع مرور الوقت، تبدأ قدرة الإنسان على الاستمرار في نشاط لا يساعد على إفراز الدوبامين في التراجع؛ مثل القراءة، أو الدراسة أو التفكير العميق. وتلك المهام تتطلب وقتًا وجهدًا ذهنيًّا ولا تؤدي إلى إفراز دفعات دوبامين فورية؛ مما يقلل من الحافز والإنتاجية عامة.
المقاطع القصيرة وسلوك الإنسان
لم يعد العلماء يعدون مشاهدة عدد هائل من المقاطع القصيرة يوميًّا مجرد سلوك عادي، بل بدأت تنتشر الدراسات التي تتناول هذا الموضوع، وأكدت النتائج إمكانية حدوث «إدمان سلوكي» تجاه هذه الأنماط من الفيديوهات.
على سبيل المثال، كشفت دراسة نُشرت في مجلة «نيورو-إيمدج» NeuroImage أن الأشخاص المدمنين على منصات الفيديو القصير قد يكونون أقل حساسية للخسائر المالية وأكثر عرضة لاتخاذ قرارات متهورة، مشيرةً إلى أوجه شبه بين إدمان المقاطع القصيرة وسلوكيات إدمانية أخرى.
ويحذر الباحثون من أن خاصية التمرير اللا نهائي Endless Scrolling والمحتوى المخصص الذي تقدمه هذه المنصات يغيران من طريقة عمل الدماغ، من خلال تعزيز البحث عن الإشباع الفوري وتشجيع الاستخدام المتكرر؛ مما يؤدي إلى ضعف القدرة على تقدير المخاطر واتخاذ قرارات رشيدة.
الخلاصة
المقاطع القصيرة ليست وسيلة للترفيه فحسب، بل انعكاس لتحولات عميقة في الحياة اليومية وسلوك الأفراد. صحيح أنها توفر محتوى ممتعًا وسريعًا يناسب إيقاع العصر، لكنها قد تُضعف مع مرور الوقت القدرة على التركيز وتؤثر في طريقة اتخاذ القرارات؛ لذا يكمن الحل في إدارة استخدام هذه المنصات بوعي عن طريق تحديد أوقات مخصصة لمشاهدتها، والموازنة بينها وبين أنشطة تعزز الانتباه الطويل مثل القراءة والرياضة. فالتكنولوجيا أداة بيد الإنسان، وما لم يُحسن استخدامها، قد تتحول إلى عائق أمام أعظم ما يملك: القدرة على التركيز والإبداع.
المراجع
forbes.com
ndtv.com
morganvirtualpsychiatry.com
onstarplus.com