يتخذ الجليد أشكالًا مختلفة، مثل: الصفائح، والكتل، وجليد البحر، والأراضي المتجمدة. ويحمل الجليد معلومات هامة قد تساعدنا على معرفة كيف كان المناخ في الماضي والتنبؤ بمدى تغيره في المستقبل؛ حيث يحتفظ بمواد وكيمياويات يمكن استخراجها وتحليلها في المعامل بغرض الحصول على معلومات مفيدة.
من أهم الأماكن التي يلجأ إليها العلماء لدراسة الجليد والكتل الجليدية قطبا الكرة الأرضية الجنوبي والشمالي؛ ففي تلك المناطق، يتمكنون من تتبع تحركات الجليد، إلى جانب الحفر على عمق باستخدام أدوات خاصة للحصول على العينات اللازمة للتحليل. تُعد الكتل والصفائح الجليدية من التكوينات الجليدية الضخمة التي قد يتراوح سمكها من مائة متر إلى أكثر من ألف متر. وقد تطور هذا الجليد على مر القرون؛ حيث تتكون طبقة إضافية سنويًّا حتى تشكلت هذه الكتل الجليدية الضخمة التي يمكن رؤيتها على الجبال.
أحد أوائل رواد علم دراسة الجليد جوليوس فون هاست وُلِدَ في ألمانيا في عام 1822، ودرس الجيولوجيا وعلم المعادن في جامعة راين، لكنه لم يتخرج فيها. وانتهى به الأمر في نيوزلندا التي كانت مستعمرة في ذلك الوقت؛ حيث سافر إلى هناك من أجل دراسة إمكانية هجرة المستعمرين الألمان. كان هذا هو الهدف الرئيسي من سفره، ولكن فور وصوله إلى هناك انضم إلى بعثة علمية؛ حيث أجرى مسحًا طوبوغرافيًّا وجيولوجيًّا للساحل الغربي في عام 1859.
ذهب هاست في عدد من هذه الرحلات الاستكشافية في نيوزلندا، بما في ذلك إحدى المناطق الجليدية بالقرب من جبل كوك الذي كان مصدر إلهام لكتابه «الجيولوجيا الخاصة بكانتربري ووستلاند» (The Geology of Canterbury and Westland) (1879). تميز هاست بقدرته على رسم الكتل الجليدية والمناطق الجبلية؛ فاستُخْدِمَت تلك الرسوم في وقت لاحق للمقارنة بين شكل الكتل الجليدية الآن وشكلها في القرن التاسع عشر. درس هاست تأثيرات التجلد السابق ودوَّن عددًا من الملاحظات عن الكتل الجليدية. هذا، وتُعد دراساته الجيولوجية أساس أعمال أخرى تلتها؛ أي إنه وضع حجر الأساس لعلم دراسة الجليد بوصفه مجالاً علميًّا جديدًا.
إذا قارنا بين رسوم هاست والوضع الحالي للكتل الجليدية، فسنجد الاختلافات واضحة جلية. ففي وقت سابق، كانت بعض الكتل الجليدية التي بدأت في الذوبان والتراجع في نيوزلندا من أهم المزارات السياحية التي تجذب السياح. وللأسف، فاعتبارًا من عام 2016، قلل منظمو الجولات السياحية عدد الأفواج نظرًا لخطورة الرحلات إلى تلك الكتل الجليدية في وضعها الحالي. فلم يعد بإمكان الناس الاقتراب منها سيرًا على الأقدام؛ فلا يمكن الآن زيارتها سوى من خلال الطيران، وفي المستقبل قد تصبح هذه المناطق محظورة نتيجة لدرجة الخطورة التي ستصل إليها.
ولذوبان الكتل الجليدية وتراجعها عواقبه؛ فكلما ارتفعت درجات حرارة المناخ بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، زادت معدلات ذوبان الكتل الجليدية؛ الأمر الذي سوف يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر. وبطبيعة الحال، هذا يعني أن الأراضي المنخفضة ستواجه خطر الفيضانات في حين إن بعض الأماكن الأخرى قد تغمرها المياه تمامًا. ولا تكمن مشكلة ذوبان المياه العذبة في مياه المحيطات في ارتفاع منسوب مياه البحر فحسب؛ بل سوف يؤدي إلى تغيير تكوين مياه المحيطات أيضًا. فمياه البحر المالحة أثقل من المياه العذبة، وهذا يؤدي إلى دفع مياه البحر المالحة إلى الأسفل؛ وهذا من شأنه أن يغير تيارات المحيطات، ومن ثم فسوف يؤثر في المناخ المحيط بالإضافة إلى النظام البيئي الحالي.
بينما تحدث هذه التغيرات في المياه، فإن تراجع تلك الكتل الجليدية البيضاء له تأثير سلبي آخر؛ حيث تعكس سطوح الكتل الجليدية أشعة الشمس مما يساعد على تنظيم المناخ بجعله معتدلًا. ولكن، مع ذوبان الجليد تنكشف المناطق المظلمة أسفله، والتي تمتص وتطلق مزيدًا من الحرارة، مما يزيد من تعقيد أحجية الاحترار. لذلك، فإن علم الجليد هام للغاية؛ لأنه يمكننا من فهم التغيرات المناخية من حولنا. فربما يكون هذا المجال العلمي مفتاحًا لمعلومات مهمة حول كيفية التأقلم مع هذه التغيرات.
المراجع
earthweb.ess.washington.edu
extremeicesurvey.org
glacierhub.org
teara.govt.nz