ابتكارات من وحي الأسماك

شارك

ليس البشر إلا جزءًا من نظام طبيعي هائل يضم عددًا لا يحصى من الكائنات والعناصر الطبيعية. إلا أن الله اختص البشر بنعمة العقل التي مكنتنا من بناء حضارتنا العريقة.

على مرِّ التاريخ، استوحت عقول البشر إلهامها من العناصر الطبيعية المحيطة، بحثًا عن حلول لمشكلاتهم ولتصميم ابتكاراتهم الجديدة التي تنوعت بين الأدوات، والاختراعات، والعمارة، والمواد، والأعمال الفنية. في الإطار العلمي، تُعرف هذه العملية بالمحاكاة الحيوية. وعلى الرغم من كون المحاكاة الحيوية ممارسة قديمة، فقد استحدث أوتو شميت، عالم الفيزياء الحيوية والمخترع الأمريكي، هذا المفهوم العلمي لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين، ليظهر بعدها مجالًا متعدد التخصصات في البحث العلمي، قائم على فكرة أن الطبيعة أفصل معلم قد يحظى به المبتكر.

فمثلما ألهمت ديدان القز صناعة الحرير، وألهم الحمام صناعة الطيران، وألهمت أقدام الزواحف والحشرات صناعة المواد اللاصقة المتطورة، فإن مخلوقات البيئات المائية أدلت أيضًا بدولها في إلهام الابتكارات البشرية. دعونا نستكشف بعض الأمثلة.

زعانف الحيتان

كان من الرائع بالنسبة لي معرفة أن الأبحاث الرامية إلى تحسين الديناميكا الهوائية لتوربينات الرياح استُلهمت من الديناميكا المائية لزعانف الحوت الأحدب. فالنتوءات الموجودة على الحافة الأمامية تغيِّر توزيع الضغط على طول الزعنفة، ما يساعد الحيتان على تقليل مقاومة الدفع وزيادة الرفع.

وقد نشر فرانك فيس –عالم الأحياء في جامعة تشيستر– ورقتين بحثيتين عامي 2008 و2011، في دورية «الأحياء المتكاملة والمقارنة» Integrative and Comparative Biology، ناقش فيهما التحكم في التدفق الهيدروديناميكي لدى الثدييات البحرية وتطبيقات المحاكاة الحيوية التكنولوجية ذات الصلة. ثم ترجمت إحدى الشركات في أمريكا الشمالية البحثين إلى منتجات؛ إذ طورت شفرات توربينات رياح تحاكي زعانف الحيتان. وقد أفادت أن الشفرات المحاكية حيويًّا أكثر استقرارًا وهدوءًا وتحملًا مقارنة بشفرات التوربينات التقليدية، بل يمكنها أيضًا إنتاج مقدار الطاقة نفسه عند سرعات رياح أقل كثيرًا.

جلد القروش

في صيف عام 2018، كتبتُ مقالًا بعنوان «رياضيون بالفطرة»، تناولت فيه كيف أن جلد القروش مغطى ببنيات على شكل حرف v، تجعلها لا تقهر في السباحة. تُعرف هذه البنيات بالأسنان الجلدية، وهي تنتج دوامات تسحب القرش إلى الأمام وتزيد من قوة الدفع. هذا، وقد تمت محاولات بحثية عديدة لإنتاج أغشية تحاكي جلد القروش للاستفادة من تأثيره على زيادة سرعتها.

إلا أنه توجد ميزة أخرى لجلد القروش لفتت أنظار المبتكرين إليه، وهي قدرته على منع نمو البكتيريا. كان أنتوني برينان –أستاذ علم المواد والهندسة– في مهمة بحثية تهدف إلى منع اكتساء هياكل الغواصات والسفن بالطحالب، عندما لاحظ أن الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا لا تفضل الهبوط على جلد القروش. وقد ألهمه هذا تصميم أغشية لاصقة ذات أنماط الأسنان الجلدية.

نجحت هذه الأغشية عند اختبارها في صدِّ أكثر من 90٪ من البكتيريا على الأسطح التي تُلمس كثيرًا دون الحاجة إلى استخدام الكيماويات. ستكون أغشية «شاركليت» –كما أسماها برينان– مفيدة بشكل خاص في المستشفيات وغيرها من مرافق الرعاية الطبية؛ إذ تقلل مخاطر العدوى وتزيد نظافة الأسطح عامة بشكل كبير.

قرص سمكة اللَشَك

أسماك اللَشَك كائنات مرتحلة تعتمد على إلصاق نفسها بكائنات مضيفة؛ لتمنحها توصيلةً مجانية، وملجأً آمنًا، ومصدرًا للغذاء. وهذه الأسماك مزودة بعضو التصاق على شكل قرص فوق رأسها –عوضًا عن الزعنفة الظهرية– يسمح لها بالالتصاق بالكائنات الأخرى عن طريق الشفط. يتكون هذا القرص من أغشية قوية، ولكن مرنة في الوقت نفسه، تُسمى الصفائح. وتلك الأغشية مزودة بدورها بشويكات تتحكم فيها السمكة عن طريق العضلات لإنشاء منطقة منخفضة الضغط وتوليد الشفط.

اتخذ فريق يضم باحثين صينيين وأمريكيين من سمكة اللَشَك مصدرًا للإلهام من أجل هندسة قرص شفاط يحاكيها حيويًّا، ونشروا تفاصيل ابتكارهم في دورية Science Robotics عام 2017. لتصنيع القرص الأساسي، استخدام الباحثون تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لمواد مختلفة، ثم أضافوا شويكات مصنوعة من ألياف الكربون.

وقد نجح النموذج الأولى في الالتصاق بأسطح مختلفة، وولَّد قوة شفط كبيرة بلغت قرابة 340 مرة ضعف وزن القرص. لهذه الأداة اللاصقة تطبيقات واعدة، من أمثلتها إلصاق المستشعرات وغيرها من المعدات بأجسام الكائنات البحرية لمراقبتها ودراستها.

 

 

إن الطبيعة الأم تقوم بالأمور بأفضل طريقة ممكنة، هذا مُلخص ما سبق. والآن وقد رسَّخ مجال المحاكاة الحيوية مكانته بين مجالات البحث الأساسية وأصبح له دورياته المتخصصة وشركات التطبيقات التكنولوجية التجارية المعنية به، كل ما علينا نحن البشر البحث حولنا عن مزيد من الدروس التي يمكن للطبيعة أن تعلمنا إياها.

المراجع

biosphereonline.com

ehistory.osu.edu

gtac.edu.au

news.mongabay.com

sharklet.com

techxplore.com

whalepowercorp.wordpress.com

Photo credit Freepik

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية