انبهر الناس بذكاء الغراب على مرِّ العصور، واعتبره بعضٌ نذير شؤم أو نذير موت؛ فهل حقًّا تحمل هذه الدماغ التي في حجم إبهام الإنسان هذا الذكاء المخيف؟
بينما قد يبدو دماغ الغراب صغيرًا مقارنةً بدماغ الإنسان، فإن ما يهم هو حجم الدماغ بالنسبة لحجم الحيوان. فدماغ الغراب ودماغ الرئيسيات متقاربان نسبيًا من حيث الجسم. ووفقًا لأبحاث الأستاذ الدكتور جون مارزلوف من مختبر الحفاظ على الطيران بجامعة واشنطن، فإن الغراب في جوهره قرد طائر. وسواء كان قردًا ودودًا أو أشبه بشيطان من فيلم «ساحر أوز»، فإن ذلك يعتمد كثيرًا على ما فعلته بالغراب (أو بأيٍّ من أصدقائه)، فهو لا ينسى أبدا.
ما القدرات التي يمتلكها الغراب؟
- القدرة على تعرُّف وجوه البشر، أي أنه يستطيع حفظ وجه شخص بعينه ويستطيع التفريق بينه وبين الأخرين؛ فهل لديك أنت هذه القدرة أن تميز وجوه الغربان لتعرفهم كل على حدة؟
- القدرة على التواصل فيما بينها، ونقل المعلومات وحفظها لدي الجميع. بمعني أنها ليست فقط قادرة على حفظ وجهك، بل هي قادرة على إخبار عائلتها جميعًا عن شكل وجهك والاتفاق على مهاجمتك إذا لزم الأمر. لذلك، لا تفكر أبدًا في مضايقة غراب فهو لا ينسى أبدًا وسيعود لينتقم هو وكل عائلته.
- القدرة على حل المشكلات: تُعدُّ الغربان الحيوانات الوحيدة من غير الرئيسيات التي تصنع أدوات جديدة. بالإضافة إلى استخدام العصي كرماح وخطافات، تثني الغربان الأسلاك لصنع الأدوات، حتى لو لم يسبق لها استخدامها.
في حكاية «الغراب والإبريق» لإيسوب اليوناني، يُلقي غراب عطشان الحجارة في إبريق ماء لرفع مستوى الماء ليشرب. وقد اختبر العلماء ما إذا كانت الغربان بهذه الذكاء حقًّا؛ فوضعوا حلوى عائمة في أنبوب عميق. أسقطت الغربان في الاختبار أجسامًا كثيفة في الماء حتى طفت الحلوى في متناولها. ولم تختر الغربان أجسامًا تطفو فوق الماء، ولا أجسامًا كبيرة جدًّا بالنسبة للإبريق. يكتسب أطفال البشر مثل هذا الفهم في سن الخامسة إلى السابعة.
- القدرة على التخطيط للمستقبل: التخطيط للمستقبل ليس سمةً بشريةً فحسب. على سبيل المثال، تُخبئ السناجب المكسرات لتخزين الطعام في أوقات الشدة. أما الغربان، فلا تُخطط للمستقبل فحسب، بل تُراعي أيضًا تفكير الغربان الأخرى. عندما يُخبئ غرابٌ طعامًا، ينظر حوله ليرى إن كان يُراقبه أحد. إذا رأى حيوانًا آخر يُراقبه، سيتظاهر بإخفاء كنزه، لكنه في الحقيقة يُخفيه بين ريشه. ثم يُحلِّق بعيدًا باحثًا عن مكان سري جديد. إذا رأى غرابٌ غرابًا آخر يُخفي جائزته، فإنه يُدرك هذه اللعبة الصغيرة من الإغراء والتبديل ولن ينخدع. بدلًا من ذلك، سيتبعه لاكتشاف مكان إخباء كنزه الجديد.
- القدرة على التكيف: تكيفت الغربان مع الحياة في عالمٍ يهيمن عليه البشر؛ فهي تراقب ما نفعله وتتعلم منا. وقد شوهدت الغربان وهي تُلقي المكسرات في ممرات المرور لتكسرها السيارات؛ بل إنها تراقب إشارات المرور، ولا تلتقط المكسرات إلا عند إضاءة إشارة عبور المشاة. ومن المعروف أن الغربان تحفظ مواعيد المطاعم وأيام جمع القمامة، لاستغلال أوقات الذروة في البحث عن الطعام. شاهد الفيديو
- القدرة على تعرُّف المتشابهات: هل تعرفون سؤال التناظر اللفظي (analogy) في اختبار التقييم الدراسي (SAT)؟ مع أنه من غير المرجح أن يتفوق عليك الغراب في اختبار معياري، إلا أنه يدرك المفاهيم المجردة، بما في ذلك المتشابهات. درَّب إد واسرمان وفريقه في موسكو الغربان على مطابقة العناصر المتشابهة (اللون نفسه، أو الشكل نفسه، أو الرقم نفسه). بعد ذلك، اختبرت الطيور لمعرفة ما إذا كانت تستطيع مطابقة الأشياء التي لها العلاقة نفسها. على سبيل المثال، تُشبه الدائرة والمربع اللونين الأحمر والأخضر بدلًا من البرتقالتين. استوعبت الغربان العلاقة من المرة الأولى، دون أي تدريب على مفهوم «المتشابه والمختلف».
بالأخير، لا نستطيع أن نجزم أن الغراب هو الذي يراقب ويتعلم من الإنسان، فقد كان الغراب أول معلم للإنسان منذ بدء الخليقة؛ فقد علم الغراب ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه، أي كيف يدفن الإنسان بعد الموت، وما زال الغراب يعلمنا من علمه وحكمته التي علمها له الله مع كل اكتشاف جديد عن هذا المخلوق.
المراجع
link.springer.com
news.bbc.co.uk
news.harvard.edu
nwf.org
pubmed.ncbi.nlm.nih.gov
sciencenews.org
ted.com
washington.edu
Cover image Carrion_crow_(Corvus_corone) Head. Source: Wikimedia Commons