رسم الأرض

شارك

يكمن شغفنا بهذا العالم الذي نقطنه وفضولنا حول ماهيته في طبيعتنا البشرية الغريزية؛ ولذلك فلطالما سعينا جاهدين لتصوير الأرض ورسم تفاصيلها. ورسم الخرائط هو فن وعلم التمثيل الجرافيكي للمناطق الجغرافية على سطح مستوٍ. وهو مجال معقد دائم التغير؛ حيث يشمل كل شيء بدءًا من جمع المعلومات الأساسية وتقييمها ومعالجتها، ومرورًا بالتصميم الفكري والجرافيكي للخريطة، ووصولًا إلى رسم وإنتاج الوثيقة النهائية. لذلك فهو مزيج متميز وفريد من العلم والفن والتكنولوجيا؛ حيث يستلزم مجموعة متنوعة من المعارف والمهارات المتعمقة من جانب رسام الخرائط.

تقوم الخرائط بدور أساسي ومحوري بصفتها أحد أحجار أساس الحضارات؛ فليس هناك كثير من الأنشطة المتعلقة بسطح الأرض التي يمكن أن تكون عملية دون الخرائط. لذلك لم ينفصل مجال رسم الخرائط عن علم الجغرافيا في معظم مراحل تطوره؛ إلا أنه في القرن العشرين قد تفرع في ظل الرقمنة الحديثة المتزايدة في عالمنا. ولكن بالرغم من ظهور أنظمة المعلومات الجغرافية الرقمية (GIS)، فإن المجالين لا يتنافسان، بل يكمل أحدهما الآخر.

ورسم الخرائط مجال عتيق يرجع إلى رسوم ما قبل التاريخ التي صورت مناطق الصيد. وقد ارتبط في الحضارات القديمة – مثل بلاد ما بين النهرين ومصر – بالفلك وما كان يعلمه البشر حينها عن النجوم وعلوم الهندسة والمساحة. فالمسح هو ما سمح ببناء المباني الضخمة، وتحديد الأراضي التي يمتلكها الناس، وتقدير الضرائب المطلوبة منهم على هذا الأساس.

ولم يتغير المجال كثيرًا منذ ذلك الحين حتى الحضارة الإغريقية، التي ساعدت على تطور فهم رسم الخرائط بشكل كبير بصفته علمًا هامًّا بالنسبة للمجتع ككل. فقد قام الإغريق بدراسات متعمقة حول حجم الأرض وشكلها، ومناطقها المأهولة، والمناطق المناخية، ومواقع الدول. على سبيل المثال، كان أناكسيماندر أول من رسم خريطة للعالم المعروف، في حين توقع فيثاغورس من ساموس أن تكون الأرض كروية وبلبها كرة من النار؛ أما إيراتوستينس فأسهم في القرن الثالث قبل الميلاد بشكل كبير في تاريخ المعرفة الجغرافية وخريطة العالم؛ ولكن للأسف لا نملك سوى مراجع غير مباشرة لأعماله من خلال مؤلفين من أمثال سترابو من إيليا، وأعماله معروفة بشكل أفضل بكثير في زماننا.

في العصر الروماني ركَّز رسامو الخرائط على الاستخدامات العملية المتمثلة في الاحتياجات العسكرية والإدارية، وذلك للتحكم في الإمبراطورية اقتصاديًّا وسياسيًّا. فانحصرت الخرائط الرومانية في المنطقة التي أطلقوا عليها «بحرنا»، وهي مركز الإمبراطورية الرومانية الذي وزعت حوله جميع المناطق الإدارية. وقد كانت قمة رسم الخرائط في عصر الإمبراطورية الرومانية خريطة العالم الروماني التي قدمها كلاوديوس بطليموس.

فكان البابليون يرسمون العالم على شكل قرص مسطح، ولكن بطليموس أسس للاجتهادات اللاحقة في القرن الثاني الميلادي من خلال عمله المتكون من ثمانية أجزاء «دليل إلى الجغرافيا»، والذي أظهر الأرض كروية. وقد ظلَّ دليل بطليموس إلى الجغرافيا المرجع الرئيسي في أوروبا لألف وأربعمائة عام. ثم خطت الصين والعالم الإسلامي خطوات كبيرة في هذا المجال؛ حيث كانت الدوافع لذلك هي نفسها في أوروبا، وهي دوافع سياسية بغرض إظهار الدولة أو الشعب بالمقارنة مع بقية العالم، أو إظهار الهيمنة فيما يتعلق بالمراكز الدينية.

استكمل علماء المسلمين تقاليد رسم الخرائط الخاصة بالثقافات المبكرة وطوروها، كما استخدموا معارف وملاحظات وكتابات المستكشفين والتجار، والتي جمعوها أثناء رحلاتهم عبر العالم الإسلامي. وقد كانت هناك تطورات في التعريف الأكثر دقة لوحدات القياس، بالإضافة إلى مجهودات عظيمة في وصف حسابات محيط الأرض وتحديدها. وكانت هناك أيضًا دراسات ومنهجيات عدة لرسم نظام من خطوط الطول والمتوازيات ساعد بشكل كبير على تطور علم رسم الخرائط، ومنها أعمال ابن بطوطة والإدريسي.

«نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للإدريسي ليست خريطة للعالم فقط، بل عمل كتابي بحثي متعمق يغطي السمات الطبيعية، والمجموعات العرقية والثقافية، والهياكل الاجتماعية الاقتصادية، وغيرها من صفات كلِّ منطقة مرسومة فيها. وقد أنجز هذا العمل من أجل روجر الثاني ملك صقلية؛ حيث اعتمد الإدريسي على رحلاته المتعددة، وحواراته مع المستكشفين، والرسامين المأجورين بهدف الترحال لرسم خرائط للطرق التي يسلكونها. وتصف تلك الخرائط العالم في شكل كروي، مقسمًا سبعين قسمًا مستطيلًا مختلفًا، يصف كلًّا منها بشكل تفصيلي في بقية العمل.

وقد اتبعت الخرائط في العصور الوسطى دليل بطليموس، ولكنها استخدمت القدس مركزًا لها؛ حيث وضع الشرق في الأعلى. وعادة يطلق على تلك الرسومات خرائط تي (T-maps) لأنها تظهر ثلاث قارات فقط – أوروبا وآسيا وإفريقيا – يفصل بينها شكل حرف «T» بفعل شكل البحر المتوسط ونهر النيل.

تتميز «خريطة العالم هيرفورد» (Hereford Mappa Mundi) لكونها أكبر خريطة من العصور الوسطى لا تزال موجودة حتى الآن، وواحدة من الخرائط الأكثر زخرفة وتلوينًا. ومن السمات الغريبة في هذه الخريطة الخلط في تسمية أوروبا وإفريقيا. وعلى الرغم من أن الخريطة دائرية، فلا يظن الخبراء أن ذلك دليل على أن من رسم الخريطة كان يعتقد أن الأرض مسطحة. بل على العكس، يظن كثيرون أن تلك الخريطة نوع من الإسقاط أسقطت منه المناطق غير المأهولة شمالًا وجنوبًا.

وقد حدث تطور كبير في علم رسم الخرائط في عام 1569، عندما صدرت الخرائط الأولى لميركاتور، الذي تطورت تقنياته في رسم الخرائط في العام التالي، عندما نشر أبراهام أورتيليوس خرائطه التي اعتمدت لأول مرة على فضلى المعلومات المعاصرة المتاحة. وتتميز خريطة جيراردوس ميركاتور لكونها أول محاولة لرسم كرة أرضية دائرية على سطح مستوٍ بشكل صحيح.

والمشكلة الأساسية في تصوير شكل كروي على سطح مستوٍ هي تشوه الأشكال؛ حيث تصبح خطوط العرض والطول التي تسهل السفر حول العالم غير مجدية على السطوح المستوية. وقد سعى ميركاتور لحلِّ هذه المشكلة بالإبقاء على استقامة الخطوط وتشويه حجم الأجسام الأقرب إلى الأقطاب؛ فكانت النتيجة هي إسقاط ميركاتور، وهو أداة للإبحار قيمة للغاية. ولأن إسقاط ميركاتور سمح بوجود خطوط مستقيمة سميت بخطوط اتجاهات البوصلة، أصبح من السهل على ملاحي السفن استخدامها لرسم خط سير للإبحار على الرغم من التشوه.

في عام 1579، كانت الصين أول دولة تطور نظامًا شبكيًّا لرسم الخرائط، وقد كانت دقيقة للغاية بالمقارنة مع معاصريها في أوروبا والعالم الإسلامي. وعلى صعيد آخر، شكل اكتشاف العالم الجديد صراعًا شرسًا بين القوى الساعية وراء تملك أكبر قدر من الأراضي؛ إذ عُني الاستعمار النامي بتوثيق مكتسباته من الأراضي الجديدة بنفس قدر اهتمامه بالحصول الفعلي عليها.

سهلت الطابعة عملية نشر الخرائط بعدما كان يستلزم رسمها يدويًّا، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر كان هناك تدفق كبير للخرائط المطبوعة المتزايدة الدقة والرقي. وقد تمت عمليات مسح منهجية باستخدام التثليث، الأمر الذي حسَّن كثيرًا من دقة الخرائط وموثوقيتها. ومن المناهج العلمية المميزة المستخدمة بعد ذلك استخدام التلسكوب في تحديد طول درجة خط الطول.

بدأ علم رسم الخرائط الحديث كما نفهمه الآن في أواخر القرن الثامن عشر؛ حيث كان يتطور ليصبح علمًا بغرض الحرب أكثر منه بغرض الدراسة. فدائمًا ما كانت الطبوغرافيا أحد أهم جوانب هجوم المشاة ودفاعهم. واليوم، تنتج المنظمات القومية خرائط متنوعة لاستخدامات متعددة؛ حيث يوجد تركيز أكبر على الدقة ونقل المعلومات ذات الصلة، حسب نوع الخريطة.

في بدايات القرن العشرين غير التصوير الهوائي وصور الأقمار الاصطناعية المتزايدة من شكل رسم الخرائط مرة أخرى. فتتحكم أسس التصوير في عمليات ترجمة المعلومات المصورة إلى خرائط؛ حيث تمنحها درجة غير مسبوقة من الدقة. وقد سمحت التطورات المتميزة في التصوير بالأقمار الاصطناعية والإتاحة العامة لتلك الصور على شبكة الإنترنت بظهور تطبيقات مثل «Google Earth» وغيرها من قواعد البيانات المتاحة بشكل كبير على شبكة الإنترنت. وأصبحت أنظمة المعلومات الجغرافية الرقمية (GIS) لا غنًى عنها في توسع نطاق موضوعات رسم الخرائط.

بعدما كان ينظر إلى الخرائط بصفتها ناتج تطبيق عملي مباشر، ينظر إليها الآن بصفتها صورًا فكرية أكثر تعقيدًا؛ حيث تثري بإمكانيات للبحث العلمي. وسواء كان الدافع وراء البحث إدراكيًّا أو رياضيًّا أو تاريخيًّا أو تكنولوجيًّا، فيستغل رسامو الخرائط هذه الإمكانيات إلى أقصى درجة.

المراجع

britannica.com

cca-acc.org

environmentalscience.org

gislounge.com

theatlantic.com


المقال الأصلي منشور في مجلة كوكب العلم، عدد علوم الأرض (ربيع 2017).

Cover image: Wikipedia Claudius Ptolemy- The World.jpg

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2026 | مكتبة الإسكندرية