حبة رمل

شارك

قررتُ أنا، حبة رمل بين مئات الملايين من إخوتي، أن أقتحم هذه الصَدَفة التي لم يستطع أحد دخولها من قبل. أعجبتني الصَدَفة، تبدو ملونة ولامعة في عمق البحر عندما ينعكس عليها ضوء الشمس القادم من السماء، وكأنها كانت على اتصال بالسماء وهي ترقد في أعماق البحر. فقررت هجر إخوتي، والدخول منفردة إلى قلب صدفتي التي اجتذبتني إليها اجتذاب النار للفراشات.

اهتزت الصَدَفة بشدة عندما اقتحمت تموجات حوافها ونفذت إليها دون استئذان. اهتزت بشدة وأرادت أن تلفظني وتتخلص مني، ولكنني أبَيت إلا أن أنغرس داخل أنسجتها. أحسست بالأمان فور دخولي إليها، أحسست بأن قدري هنا ولا يمكنني الهروب منه، وأن عليها أن تتقبل وجودي في قلبها، رغمًا عنها.

ها هي قد سكنت حركتها، يبدو أنها قد استسلمت للأمر الواقع، لقد انتصر عنادي على رفضها. ما هذا؟ إنها تغمرني بشيء ما*، يا إلهي! سأختنق! ما هذه اللزوجة والعفونة؟ إنها تحاربني، إنها لا تريدني، إنها تريد أن تقتلني، أن تخنقني، أن تتخلص مني!

ولكن هيهات! سأحيا وسأقاوم. ألم أدخل من البداية؟ ألم يكن القرار قراري؟ ألم أهجر أهلي وإخوتي لأعيش هنا؟ لا بد أن أعيش إذن، لن أسمح لأحد بأن يدفنني بين فضلاته، لن أسمح لأحد بأن يقرر ما سيحدث لي.

توقفتُ عن الحركة وتحليتُ بالصبر وتقبلتُ اللزوجة والعفونة وكل المواد التي أحاطت بي وحددت حركتي، فأنا مازلت على قيد الحياة، أتنفس.

مرَّ وقت، طويل أو قصير لا أعرف، المهم أنني أحسست بأنني أتغير. أحسست بأن هناك شيئًا في تكويني يتغير، هل من الممكن أن يُثمر الصبر، أم أن نهايته القبر كما قال لي أحد إخوتي منذ زمن بعيد؟ هل هذه الصَدَفة هي قبري؟ أم أنها باب لحياة جديدة لي؟

لا أعرف على وجه التحديد ما الذي حدث لي. فقد كبُر حجمي، وتغيرت ملامحي، واكتسبتُ أطيافًا من ألوان الصَدَفة الداخلية والخارجية. هل رضيت الصَدَفة أخيرًا بالتعايش معي لدرجة أنها منحتني –أنا حبة الرمل الفقيرة– من جمالها المبهر؟

انتظرت أكثر وأكثر وأكثر لوقتٍ لم أحسبه ولم أهتم بحسابه، فما أهمية الوقت إذا كان جمالي يزداد يومًا بعد يوم؟ وما أهمية الوقت إذا كنت آمنة تحوطني الصدفة بحمايتها، وأعيش بين جوانحها متسلحة بصبري وانتظاري؟

ثم جاء يوم أحسست فيه بزلزال رهيب، واهتزازات شديدة شعرت معها أنني سأفقد مكاني الآمن في قلب الصدفة وسأقع خارجها، حتى كانت المفاجأة، ضوء الشمس. أحسست بدفء الشمس وضوئها، وهذا معناه أن هناك من فتح الَصَدَفة. ثم شعرت باهتزاز آخر عنيف جدًّا، بعدها أشرقت الدنيا من حولي وغادرت ظلماتي إلى الأبد. ورأيت عيونًا كثيرة تحملق في، وسمعت من يقول: لم أشاهد في حياتي كلها لؤلؤة بهذا الجمال!


تتكون اللآلئ داخل المحار في استجابة دفاعية عند وصول الأجسام الغريبة إلى أجسامها الرخوية. يفرز المحار مادة تسمى «أم اللؤلؤ» أو «عرق اللؤلؤ» لتكوين طبقة واقية حول هذا الجسم. ومع مرور الوقت، تتراكم طبقات أم اللؤلؤ لتشكل اللآلئ داخل أجسام المحار.

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية