للحيوانات مشاعر أيضًا!

شارك

أدركنا منذ زمن طويل أن للحيوانات مشاعر مثلها مثل الإنسان، ولكن أقر العلماء بذلك مؤخرًا فقط. كلٌ من لديه حيوان أليف يعرف ذلك، ولكن لسنوات عدة خشي العلماء من اتهامهم بالتجسيم، أو إسناد الحيوانات صفات بشرية بالخطأ. والآن أصبحت الدلائل جلية بأن للحيوانات مشاعر من كتاب «الوعي العاطفي: التغلب على العوائق التي تحول دون التوازن النفسي والرحمة» بقلم: بول إكمان؛ عالم النفس الأمريكي والأستاذ الفخري بجامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

هل فكرت يومًا بماذا يشعر الكلب عند تعرضه للضرب؟ هل يتألم؟ هل يبكي؟ هل تحريك ذيله علامة على سعادته أم مجرد حركة عادية لا تدل على شيء؟ هل تعبر الحيوانات عن مشاعرها حقًّا مثل البشر؟ نعم؛ للحيوانات مشاعر ويمكنها التعبير عن المشاعر البسيطة، مثل الفرح والحزن، والمشاعر الأكثر تعقيدًا، مثل التعاطف والغيرة والأسى.

حياة الحيوانات تشبه حياتنا بشكل هائل؛ كلٌ منا يحاول البقاء على قيد الحياة، والحصول على الطعام والمأوى، وتربية الأبناء؛ وتميز بين أصدقائها وأعدائها. للحيوانات مسار وظيفي تتبعه مثلنا؛ فتتنافس وتطمح لتقلد مناصب أرقى.

وقد جاء تعريف المشاعر بالقواميس بأنها «أحاسيس مثل السعادة أو الحب أو الخوف أو الغضب أو الكراهية؛ تحدث بسبب الموقف الذي أنت فيه أو بسبب تصرفات المحيطين بك». ببساطة، هي الأحاسيس التي نظهرها بوصفها رد فعل للمواقف المختلفة التي نواجهها في الحياة. وعلى سبيل المثال، عندما تحتضن طفل تشعر بالسعادة، ولكن عندما تتشاجر مع من تحب، تشعر بالحزن أو الغضب.

تنتج العواطف استجابة فسيولوجية بداخلنا؛ نبتسم لإظهار الامتنان، وينبض قلبك أسرع عندما تكون خائفًا أو متحمسًا، وتبكي عندما تشعر بالحزن. هذه الاستجابة تعكس للآخرين شعورنا الحقيقي. منذ أمد طويل، اعتقد فيثاغورس (490 قبل الميلاد)، وهو فيلسوف وعالم رياضيات قديم، أن الحيوانات تشعر بجميع المشاعر البشرية. اليوم، تدعم الأبحاث الحالية فكرة أن بعض الحيوانات تشعر بمجموعة متنوعة من المشاعر، منها الخوف والفرح والسعادة والعار والغضب والرحمة والاحترام وأكثر من ذلك.

للوفاء بالمعيار العلمي للوعي، يجب أن يظهر الكائن الحي أنه قادر على الحكم على تجربة ما على أنها إيجابية أو سلبية، وعلى الاحتفاظ بالمشاعر المحسوسة. يعرف ذلك على أنها حالات فسيولوجية أو عصبية توجه الكائن الحي نحو سلوك تكيفي. واكتشف الباحثون أن الجهاز العصبي في كل من الحيوانات والبشر يتفاعل بالطريقة نفسها في المواقف المخيفة. يشير ذلك إلى أن عديد من المشاعر التي يشعر بها الحيوانات تشبه تلك التي يشعر بها البشر من الناحية الفسيولوجية. إلى جانب ذلك، عند مراقبة النشاط الهرموني في الحيوانات والبشر، وجدوا أنها تستجيب بالطريقة نفسها عند مواجهة المواقف ذاتها.

على سبيل المثال، في المواقف الحرجة، يزيد إنتاج هرمون الأدرينالين على الفور؛ مما يقلل من إمداد الدم إلى جميع أعضاء الجسم التي لا تؤدي دورًا مُهمًّا خلال حالات الطوارئ. وفي الوقت نفسه، يزداد تدفق الدم إلى الأعضاء المهمة مثل المخ والقلب والرئتين. يزيد هرمون النورادرينالين اليقظة والانتباه، أما هرمون الكورتيزول فيمد الجسم بالطاقة اللازمة للتعامل مع المواقف العصيبة. وتؤدي الهرمونات الأخرى، مثل الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين، أدوارًا مُهمَّة في أوقات الفرح والحماس والترابط الاجتماعي.

يعتقد كثيرون أن التعاطف شعور مميز يختبره البشر فقط. ومع ذلك، نجد عديدًا من الحيوانات تعبر عن تعاطفها بعضها مع بعض. التعاطف عند الحيوانات عابر للقارات ولا يقتصر على نوع بعينه. فهي تتعاطف مع البشر والحيوانات الأخرى بعدة طرق، منها المواساة والحزن وحتى إنقاذ بعضها بعض من الأذى على حساب نفسها.

توجد قصص كثيرة عن عثور الأفيال على مفقودين؛ إحداها كانت عن امرأة عجوز لا تستطيع الرؤية جيدًا وضلت طريقها، فعُثر عليها في اليوم التالي وحولها مجموعة من الفيلة تحرسها. فأحاطتها بما يشبه قفص صنعته من الأغصان لحمايتها من الضباع. قد يبدو هذا السلوك استثنائيًّا بالنسبة لنا، ولكنه سلوك طبيعي للأفيال.

اشتهر لورنس أنتوني، وهو داعم للحفاظ على البيئة ومؤسس محمية ثولا ثولا للأفيال الأفريقية، بقدرته على تهدئة الأفيال عند وصولها إلى المحمية. في كتابه «الهامس للأفيال: حياتي مع القطيع في البرية الإفريقية»، ذكر أنه تعلم كيفية التواصل مع الأفيال من خلال ملاحظة كيفية تواصلها بعضها مع بعض. عندما توفي إثر نوبة قلبية، ذهبت الأفيال إلى منزله على الأرجح لتقديم التعازي. ذكر ابنه أنه منذ وفاة والده، يأتي القطيع كل ليلة إلى منزله الذي يقع عند أطراف حافة المحمية.

مثال آخر، الحيتان الحدباء التي تحمي الفقمات من الحيتان القاتلة. فتوجد رواية موثقة عن حوت أحدب يحمل فقمة على ظهره خارج الماء لحمايتها من الحيتان القاتلة. تبدو هذه الأفعال جديدة بالنسبة لنا لأننا لم نوثق هذه الحوادث إلا مؤخرًا؛ ومع ذلك، ربما كانت تفعل التصرفات نفسها منذ ملايين السنين.

انضمت الفئران إلى فريق التعاطف حتى وإن كانت لا تخطر على بال أحد عندما يفكر في مشاعر التعاطف، ولكن أثبتت دراسة حديثة أن الفئران تتعاطف مع أصدقائها. أثبتت التجربة أنه عندما يغرق فأر في الماء، يحاول آخر بسرعة تشغيل رافعة لمساعدته على الهروب من الماء إلى منطقة جافة. ما يثير الإعجاب في هذه التجربة هو أن الفئران ضحت بحلوى كان من الممكن أن تسقط عند سحبها للرافعة لمساعدة أقرانها. يدل هذا الفعل على أن سلامة الفأر الآخر أهم من الطعام بالنسبة لها. إذا لم يكن الفأر الآخر يعاني، لتناول الفأر الحلوى على الفور.

عندما تفكر في المشاعر في الكائنات الأخرى، قد تندهش من معرفة أن النحل يأتي على القائمة. في عام 2016، اكتشف العلماء أن النحل يكون سعيدًا عند إعطائها حلوى من خلال اختبار رد فعله بعد تناوله إياها. فقاموا أولًا بتدريب النحل على ربط مناطق وألوان معينة بمذاق الماء المحلى أو الماء العادي. ثم أعطوا بعض النحل ماء محلى وبعض آخر ماء عادي وفتحوا مساحة جديدة بلون جديد. زار النحل الذي تناول الماء المحلى المنطقة الجديدة أسرع من ذلك الذي أعطي الماء العادي فقط؛ مما يشير إلى أنه كان أكثر تفاؤلاً بشأن إمكانية الحصول على حلوى من هذا المكان. استغرق كل من النحل الذي أعطى المياه العادية والمحلاة القدر نفسه من الوقت لزيارة المناطق المألوفة له. بعد الحلوى، تعافى النحل أسرع وبدأ يتغذى عاجلًا بعد هجوم مفتعل عليه من مفترس.

منذ زمن بعيد، أشارت الأبحاث بقوة إلى أن سلوك الأسماك تدفعه العاطفة. فوجد الباحثون بعد الملاحظة أنها تتجنب المواقع الخطرة بناءً على التجارب السابقة التي واجهت فيها المحفزات السلبية. فأثبت سلوكها أنها تعالج المشاعر السلبية الناجمة عن التجارب السابقة بشكل عصبي بدلًا من اتخاذ قرارات تستند فقط إلى المحفزات الفورية –ما هو جيد أو سيئ في الوقت الحاضر. حاليًّا، يعد معظم العلماء الأسماك واعية مع ظهور أبحاث مماثلة تتعلق باللا فقاريات مثل السرطانات والنحل والأخطبوط.

مثل هذه النتائج يمكن أن تؤدي إلى تغيير كيفية تعاملنا مع الحيوانات. على سبيل المثال، لخصت مراجعة علمية شاملة نشرتها كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في نوفمبر 2021، أن بعض اللا فقاريات مثل السرطانات والكركند والأخطبوطات يجب أن تعد واعية؛ فهي قادرة على التجارب الذاتية مثل الشعور بالألم والمعاناة. تشير الاستنتاجات إلى أن الحماية التي توفرها قوانين الرفق بالحيوان يجب أن تمتد لتشمل هذه الكائنات. وإحدى النتائج المحتملة التحديثات التي أدخلت على تشريعات رعاية الحيوان في المملكة المتحدة، التي قد تجعل من غير القانوني سلق الكركند حيًّا؛ مما يتطلب أساليب أسرع وأقل إيلامًا لقتل الحيوانات.

المشاعر مذهلة، والفضول ليس السبب الوحيد لدراستها على الحيوانات. فيمكن أن يساعدنا فهم كيف تشعر الحيوانات وتتفاعل مع المواقف المختلفة على تحسين حياة الحيوانات التي نرعاها والحيوانات المحيطة في العموم. فنحن نتشارك في الأرض وفي المشاعر أيضًا.

المراجع

bigthink.com

kids.frontiersin.org

nationalgeographic.com

onekindplanet.org

sciencenews.org

theconversation.com


هذا المقال نُشر لأول مرة مطبوعًا في مجلة كوكب العلم، عدد شتاء/ ربيع 2022.

Cover image source

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2024 | مكتبة الإسكندرية