التأقلم مع الظروف القاسية

شارك

منذ بدء الخليقة ونحن البشر تحت رحمة البيئة المحيطة بنا، ولذلك فإننا دائمًا ما نسعى وراء البيئات ذات الصفات المناسبة التي يمكن لأجسادنا تحملها دون التعرض لأية عقبات مؤذية. وتعمل أجسادنا يوميًّا على إبقائنا على قيد الحياة؛ فتعمل على ضبط درجة الحرارة، ومستويات السوائل، والتنفس، ودقات القلب. ولكن، ما الحال في ظل الظروف القاسية؟

فتبرز برامج تليفزيونية عدة – مثل "الناجي" (Survivor)، و"الإسبارطي" (The Spartan Show)، و"الخاسر الأكبر" (The Biggest Loser) – وكذلك العديد من القصص الإخبارية تبرز غرائز البقاء لدى البشر، مؤكدةً على قدرتهم على التأقلم والبقاء في ظل ظروف قد تبدو مستحيلة. وفي واقع الأمر، فإن جسم الإنسان مصمم بآليات وردود أفعال تساعده على التأقلم مع الظروف المختلفة، ومن ثم يمكنه البقاء. وعادة لا يتعرض معظم البشر لظروف قاسية مثل درجات الحرارة المبالغ فيها أو أسابيع بلا طعام، إلا أنه من المثير أن نتعرف على كيفية تعامل الجسم مع الظروف القاسية وكيفية تأقلمه فيما قد يسمى بـ"وضعية البقاء".

أحد أقسى التحديات التي قد يواجهها جسم الإنسان - سواء جسمانيًّا أو عقليًّا - هو تسلق الجبال. ويعتبر تسلق جبل إفرست الأكثر خطورة من حيث البيئة؛ حيث يصل ارتفاعه إلى 8.850م فوق سطح البحر، وهو نفس الارتفاع الذي تحلق عليه الطائرات أثناء رحلاتها. ويهبط مستوى الأكسجين إلى 6%، وهو ثلث حجم الأكسجين عند مستوى الأرض؛ كما تصل درجة الحرارة إلى -40 درجة مئوية، وتصل سرعة الرياح إلى أكثر من 150 كم/ الساعة. فيستغرق الوصول إلى قمة إفرست ما لا يقل عن شهرين.

ويستطيع جسم الإنسان البقاء على قيد الحياة لبعض الوقت في درجات الحرارة القاسية؛ حيث إنه معد لتحمل التغير في درجات الحرارة. فإذا كان الإنسان في بيئة شديدة الحرارة قد يصاب بالهايبرثرميا (ارتفاع الحرارة)، وإذا كان في بيئة شديدة البرود قد يصاب بالهايبوثرميا (انخفاض الحرارة)؛ والحالتان متساويتا الخطورة، وبالأخص إذا استمرتا لفترة طويلة.

أما إذا ارتفعت درجة حرارة الجسم، فإنه يتعرق ليبرد؛ إلا أن الإنسان يمكنه التعرق لفترة محدودة يبدأ بعدها في احتياج الماء لتعويض العرق. وأما إذا انخفضت درجة حرارة الجسم، فإنه يرسل بالدم إلى القلب؛ فيرتعش ليبقى على قيد الحياة، وهو الأمر الذي لا يمكنه الاستمرار طويلاً.

من الحالات القاسية الأخرى الحرمان من النوم. ويستطيع الإنسان الطبيعي أن يبقى مستيقظًا دون نوم لعشرة أيام على الأكثر؛ إلا أنه كلما طالت فترة استيقاظ الإنسان فقد التركيز والتحفيز.

ومن الحالات الأخرى التي قد لا تعد قاسية – ولكنها غير مريحة على أية حال – الترحال. فقد يعاني مستقلو السفن، أو المركبات، أو الطائرات من دوار الحركة، وهو خلل شائع في الأذن الوسطى يكون سببه الحركة المستمرة. وأعراض دوار الحركة القيء، والدوخة، والشعور بالإعياء؛ وهي أعراض تحدث في الأذن الوسطى عند التغير في إحساس الشخص بالاتزان والتوازن.

من الناحية الشعورية، فعندما يشعر الإنسان بالخوف على سبيل المثال تكون ردود أفعال جسمه نتيجة الإشارات البيئية التي يستقبلها المخ من خلال العين ومن ثمَّ باقي الجسم. فيطلق الجسم هورمونات مثل الأدرينالين تغير من مجموعة من وظائف الجهاز العصبي؛ فتسرع من معدل ضربات القلب واندفاع الدم لمجموعات العضلات الأساسية في الجسم بالانقباض والاسترخاء. وعندما يزول الخطر فإن الجسم مصمم ليعود ليعمل بشكل طبيعي.

إن جسم الإنسان لهو أعجوبة أبدية بلا شك؛ فقدرته على التعامل مع التغيرات التي قد تصل قسوتها إلى درجات لا يمكن تخيلها هي حقًّا قدرة خارقة. والشروع في دراسة تلك القدرة وكذلك الآليات التي لا حصر لها التي يستخدمها الجسم للبقاء لهو رحلة لا نهاية لها؛ ولكنها ضرورية، وبالأخص مع تعرض الإنسان لتغيرات متزايدة الخطورة مثل التغير المناخي على سبيل المثال لا الحصر.


المراجع

www.brighthub.com
nss.org
youtube.com
learn.genetics.utah.edu
 

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2022 | مكتبة الإسكندرية