المقالات

ثقافة المرض ونظرة المجتمع

شارك

يمثل تداول المعلومات الصحية والمرضية التي يتم بثها عبر وسائل الإعلام المختلفة خطرًا كبيرًا على مجتمعنا. فعديد من الأمراض – سواء كانت نادرة أو معروفة – تم تناولها في الأفلام، والأفلام الوثائقية، والمسلسلات التليفزيونية، والإعلانات، لتصبح من أكثر الموضوعات شيوعًا في الإعلام؛ حيث إنها تمس الأفراد بشكل مباشر، إما بالسلب وإما بالإيجاب! ونتيجة لذلك، أصبحت كثير من الأمراض، وأعراضها، ومخاطرها محفورة بصورة معينة فرضها التناول الإعلامي على أذهان المشاهدين بغض النظر عن مدى صحتها.

وقد تناولت الحملات الإعلامية مختلف الأمراض بهدف نشر الوعي، إلا أن بعضًا منها لم يُلقِ سوى الرعب في قلوب العديد من المشاهدين. والأسوأ من ذلك هو تجاهُل الإعلام لأولئك المتعايشين مع المرض بالفعل والذين يعانون جرَّاء ذلك من التمييز ضدهم، والإحباط، وفقدان الأمل حتى في الشفاء. أحد تلك الأمراض التي تمت معالجتها بالسلب إعلاميًّا على مدار الثلاثين عامًا المنصرمة هو فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز (HIV/AIDS)؛ حيث أصبح كثير من الناس على دراية باسم الفيروس وطرق انتقاله، والتي ركَّز الإعلام عليها، دون معرفة كثير عن المرض نفسه.

وفيروس نقص المناعة البشرية هو فيروس قهقري يصيب خلايا الجهاز المناعي؛ فيؤدي إلى إتلافه أو إعاقة وظيفته. ومع تطور العدوى، يصبح الجهاز المناعي ضعيفًا، ويصبح الشخص المصاب أكثر عرضة لما يُسمى أنواع العدوى الانتهازية. وأكثر مراحل العدوى بفيروس نقص المناعة البشرية تقدمًا هي متلازمة النقص المناعي المكتسب (الإيدز). وقد يحمل المصاب بالفيروس العدوى طوال 10-15 عامًا قبل أن تظهر عليه أعراض الإيدز؛ ويمكن أن تمتد تلك الفترة إذا ما تعاطى المريض الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية.

ينتقل فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز عند اختلاط السوائل من جسم شخص معافى مع أخرى من شخص مصاب بالفيروس؛ على سبيل المثال: خلال عملية نقل الدم الملوَّث، وتبادل إبر الحقن الملوَّثة، كما يمكنه الانتقال أيضًا من الأم إلى طفلها أثناء فترة الحمل أو الرضاعة. ولا يصاب الفرد بالفيروس مثلما يصاب بالإنفلونزا؛ فلا ينتقل الفيروس عن طريق لمس شخص مصاب أو الاقتراب منه.

لسنوات عديدة، قامت وسائل الإعلام بنشر معلومات مضللة عكست وجهات نظر متحيزة عن المتعايشين مع المرض. ففي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، قام التليفزيون المصري بعرض إعلانات بهدف التوعية بمرض الإيدز، إلا أن تلك الإعلانات التليفزيونية كانت تميل إلى ترهيب الناس بدلاً من تثقيفهم، إلى درجة أنه حتى بعد قراءة المزيد عن المرض، لا يزال الفرد يشعر بالقلق حيال مصافحة المتعايشين مع الفيروس، وذلك كما وصف المدون المصري طارق عمرو.

كذلك مال الإعلام إلى الحكم على المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز أخلاقيًّا ودينيًّا، وتصوير مرضهم إلى حدٍّ بعيد على أنه عقاب إلهي. فكانت تميل أكثر الأفلام المبكرة عن الفيروس – مثل «الحب في طابا» (1992) و«ديسكو ديسكو» (1994) – إلى التجاهل التام لحقائق المرض والتركيز على عنصر الترهيب.

وبالتالي، فإن نظرة المجتمع تجاه المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز على أنهم آثمون يستحقون مرضهم، واعتبارهم أشخاصًا ناقلين للعدوى يتجنب الفرد التعامل معهم بأي شكل من الأشكال، أصبحت سببًا في موتهم أكثر من أي شيء آخر. فأصبحت الثقافة متعصبة جدًّا لدرجة أن مفهوم الوصم أصبح بين المتعايشين بالفيروس أنفسهم.

وفي عام 2011، حاول فيلم «أسماء» تحطيم تلك المفاهيم الخاطئة؛ فيعتبر محاولة رائدة لتغيير مواقف الأفراد ورفع مفهوم وصمة العار المرتبط بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز. فقد حاول عمرو سلامة، كاتب سيناريو فيلم «أسماء» ومخرجه، إعطاء الفيروس وجهًا إنسانيًّا والقضاء على خوف الناس منه، وهذا حسب وصف المنسق الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة المشترك للإيدز في مصر.

فقصة فيلم «أسماء» مستوحاة من قصة حقيقية لامرأة مصرية في منتصف العمر مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. ويروي الفيلم قصة أسماء التي تعيش مع والدها وابنتها في إحدى ضواحي القاهرة الفقيرة، وتحتاج إلى إجراء عملية بسيطة في المرارة لإنقاذ حياتها، ولكن الأطباء يرفضون علاجها؛ لأنها مصابة بالفيروس.

وفي عالم يوصم فيه مريض الإيدز، تنضم أسماء إلى فريق دعم المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز، لتلتقي بالمقدم التليفزيوني محسن السيسي والذي يحثها على مكافحة مرضها وجهل المجتمع. وبين رغبتها في العيش وخوفها من الكشف عن سرها لابنتها وللمجتمع الذي هو أكثر قسوة من المرض نفسه، تُصر أسماء، من حيث المبدأ، على ألا تكشف عن كيفية إصابتها بالمرض قائلة إن لكل فرد الحق في تلقي العلاج.

إن وصمة الإيدز وعديد من الأمراض الأخرى هي نتاج مفهوم صنعه الإعلام، ونحن بحاجة إلى تناولها بشكل جديد من الإعلام غير الحَكَمي وغير المبتذل. وتلك هي الرسالة التي قدمها فيلم «أسماء» بمنتهى الجدارة من خلال عرضه لهذا الموضوع الحساس بطريقة رحيمة ومحترمة تستحق الثناء. لذلك، ففي حين يظل مرض الإيدز وغيره من الأمراض بلا علاج، يمكننا تغيير ثقافة النظر إلى المتعايشين مع تلك الأمراض، وهذه هي رسالة الإعلام الحقيقية.

المراجع

cairo360.com
childrennow.org
medisnetwork.net
notgr33ndata.blogspot.com
uncut.indexoncensorship.org
who.int


*المقال الأصلي منشور بمجلة كوكب العلم، عدد صحة الإنسان (ربيع 2014).

من نحن

«كوكب العلم» مجلة علمية ترفيهية باللغتين العربية والإنجليزية يصدرها مركز القبة السماوية العلمي بمكتبة الإسكندرية وتحررها وحدة الإصدارات بقطاع التواصل الثقافي ...
مواصلة القراءة

اتصل بنا

ص.ب. 138، الشاطبي 21526، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية
تليفون: 4839999 (203)+
داخلي: 1737–1781
البريد الإلكتروني: COPU.editors@bibalex.org

شاركنا

© 2020 | مكتبة الإسكندرية